آخر تحديث: 16 / 7 / 2026م - 11:30 م

كفى تشتتاً

في مقالنا السابق «كفى ترقيعًا» تحدثنا عن المؤسسات التي تعالج أعراض المشكلات بدلًا من جذورها، وتكتفي بالحلول المرقعة أو المؤقتة بدلًا من إعادة التصميم والبناء في أنظمتها وعملياتها من الأساس.

لكن ليست كل مؤسسة متعثرة تحتاج إلى التفكيك وإعادة البناء، فهناك نوع آخر من التعثر، لا ينتمي إلى دائرة الفوضى، بل إلى دائرة الفوضى المنظمة؛ حيث العمل كثير، والحركة دائبة، لكن الوجهة مفقودة. فهناك مؤسسات تمتلك كل ما يمكن أن تحلم به أي مؤسسة أخرى: كوادر متميزة، وموارد كافية، وأفكار واعدة، ومبادرات متعددة، بل وقيادات مؤمنة بالتغيير والتطوير. ومع ذلك يبقى أثرها أقل بكثير من حجم إمكاناتها.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تمتلك بعض المؤسسات كل مقومات النجاح، ومع ذلك يبقى أثرها أقل من حجم إمكاناتها؟ وكيف يمكن تحويل الطاقات والجهود المتفرقة إلى منظومة متكاملة تتناغم فيها الأدوار وتتضاعف فيها النتائج؟

العقل لا يحب الفراغ… وكذلك المؤسسات

يقرر علماء النفس أن العقل لا يبقى فارغًا، فإذا لم يجد هدفًا واضحًا يشغله، بدأ تلقائيًا في ملء فراغه بما اعتاده من أفكار وقناعات واهتمامات. فقد ينشغل بالتعلم والإبداع إذا اعتاد ذلك، وقد ينجرف إلى القلق والتوتر واجترار الماضي والخوف من المستقبل إذا غابت عنه الوجهة. فالمشكلة ليست في وجود الطاقة، وإنما في غياب ما يوجهها.

والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات، فالمؤسسات التي لا تمتلك رؤية واضحة، وأهدافًا محددة، وأولويات متفقًا عليها، لا تبقى ساكنة، بل تمتلئ بالاجتهادات الفردية، وتضارب الأولويات، وتزاحم المبادرات، وتداخل المسؤوليات، وتكرار الجهود. وكما أن العقل إذا فقد وجهته تشتتت أفكاره، وإذا تشتتت أفكاره تفرقت طاقاته وضعفت قراراته، فإن المؤسسات إذا فقدت وجهتها تشتتت جهودها، وإذا تشتتت جهودها تبددت مواردها وتراجع أثرها. وفي الحالتين، لا تضيع الطاقة بسبب نقص الموارد، بل بسبب غياب ما يجمعها ويوجهها نحو غاية واحدة.

حين لا تتحول الإمكانات إلى أثر

يشيع اعتقاد راسخ في أذهان كثير من المديرين أن الطريق الأقصر نحو نجاح المؤسسات يكمن في زيادة الموارد، أو استقطاب الكفاءات، أو ضخ المزيد من الأموال، حتى أصبح كل تراجع أو كل إخفاق في الأداء المؤسسي يُفسَّر تلقائيًا على أنه نتيجة نقص في الإمكانات. وهو ليس وليد الفراغ، فالإنسان بطبيعته يميل إلى ربط النتائج بما يراه أمامه من إمكانات ملموسة، فيظنّ أن المؤسسة الأغنى أو الأكبر أو الأكثر خبرة هي الأقدر على النجاح.

غير أن الفكر الإداري الحديث يكشف حقيقة مختلفة، فالإمكانات لا تتحول إلى إنجازات بمجرد توافرها، وإنما تتحول إلى إنجازات عندما تُدار بكفاءة، وتُوجَّه نحو رؤية واحدة، وتعمل في منظومة متكاملة. وهذا ما أكده عالم الإدارة بيتر دراكر، وأثبتته الدراسات التطبيقية. ففي كتابه الشهير «Good to Great» توصّل جيم كولينز، أحد أبرز المفكرين الإداريين المعاصرين في مجال التميز المؤسسي واستدامة النجاح، بعد دراسة استمرت خمس سنوات شملت أكثر من 1400 شركة، إلى أن المؤسسات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء العظيم لم تتميز بوفرة مواردها، بل بقدرتها على توحيد الرؤية، وانضباط القيادة، وتكامل الجهود، وحسن استثمار الإمكانات المتاحة.

وهذا يقودنا إلى حقيقة كثيرًا ما يغفل عنها المديرون، وخاصة المبتدئون منهم في المشاريع، وهي: أن الموارد وحدها لا تصنع النجاح، وإنما طريقة توظيفها هي التي تصنعه. فالفرق بين مؤسسة عظيمة وأخرى عادية لا يكمن في حجم ما تملك، بل في جودة إدارتها، وحسن توظيف ما تملك. ومن هنا يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال الأسباب التالية:

1- غياب الرؤية المشتركة

من أكثر الأسباب التي تُبدد طاقات المؤسسات أن يعمل أفرادها بإخلاص، ولكن دون أن تجمعهم رؤية مشتركة، فليس كافيًا أن يكون الجميع مشغولين بالعمل، بل الأهم أن يكونوا متفقين على الوجهة التي يسيرون إليها. وعندما تغيب هذه الرؤية يبدأ كل قسم، أو لجنة، أو فريق عمل، في تفسير أهداف المؤسسة بطريقته الخاصة، فيضع أولوياته وفق ما يراه مناسبًا، فتتعدد الاتجاهات، وتتباين القرارات، ويصبح النجاح الذي يحققه أحد الأطراف منفصلًا عن نجاح بقية الأطراف. ومع مرور الزمن تتحول المؤسسة إلى مجموعة من الجزر المنعزلة التي تعمل تحت اسم واحد، لكنها لا تتجه نحو هدف واحد.

ولهذا قال الفيلسوف الروماني سينيكا: «إذا لم يعرف البحّار إلى أي ميناء يقصد، فلن تكون أي ريح مواتية له». وهي حكمة تلخص حال كثير من المؤسسات، فالمشكلة ليست في قوة الرياح، ولا في كفاءة البحّار، وإنما في غياب الوجهة التي ينبغي أن يتجه إليها الجميع.

2- كثرة المبادرات… حين يصبح النشاط هو الهدف

الفراغ الذي تتركه الرؤية يملؤه النشاط، وحين لا يعرف الجميع الميناء الذي يقصدونه، يبدأ كل منهم في الإبحار في اتجاه. كثيرًا ما نعتقد أن كثرة المبادرات دليل على النجاح، بينما قد تكون في بعض الأحيان سببًا في ضعف النتائج. فكم من منظمة تنظم عشرات الأنشطة، وتعقد عشرات الاجتماعات المتواصلة، ومع ذلك يبقى أثرها أقل مما يُنتظر منها، ليس لأن العاملين فيها مقصرون، ولا لأن الموارد غير كافية، بل لأن الجهود والطاقات تسير في اتجاهات متعددة دون أن يجمعها هدف واحد أو أولويات واضحة. فينشغل الجميع بالعمل، لكن كل فريق يعمل في زاوية، وكل مبادرة تسير في اتجاه، فتتوزع الطاقات، وتتكرر بعض الأعمال، ويضيع الوقت والجهد من دون إضافة حقيقية.

ولذلك فإن نجاح المؤسسات لا يُقاس بكثرة ما تقوم به، بل بحسن اختيار ما تقوم به، وبقدرتها على توجيه جميع جهودها نحو غاية واحدة.

وهنا تتراكم ما يمكن أن نسميه بـ «الدوائر المفتوحة»، وهي كل مشروع لم يُستكمل، وكل قرار لم يُحسم، وكل توصية لم تُنفذ، وكل مسؤولية لم تُحدد، وكل مشكلة لم تُعالج من جذورها. فالمؤسسات التي تفتح ملفات أكثر مما تغلقها، وتطلق مبادرات أكثر مما تنجزها، تستهلك جزءًا كبيرًا من طاقتها في إدارة الأعمال المعلقة بدلًا من صناعة الإنجاز. ولهذا فإن التشتت لا ينتج دائمًا عن كثرة العمل، بل ينتج من كثرة الأعمال غير المحسومة.

3- قيادة تُدير الفوضى… ولا تُوحد الطاقات

عندما تتحول المؤسسة إلى مجموعة من الجزر المنعزلة، يصبح دور القيادة محصورًا في إدارة الصراع بين الأولويات، لا في توحيدها. فقد تمتلك المؤسسة أنظمة جيدة، وموارد كافية، ورؤية واضحة، ومع ذلك يبقى أثرها دون المستوى المأمول إذا غاب الدور الحقيقي للقيادة. فوظيفة القيادة لا تقتصر على توزيع المهام، أو متابعة الإنجاز، أو حل المشكلات اليومية، وإنما تتمثل قبل ذلك في توحيد الطاقات، وربط الأفراد بهدف مشترك، وبناء ثقافة تجعل الجميع يعملون بروح الفريق الواحد، وتحت سقف واحد.

ولهذا قال جون ماكسويل، أحد أبرز المتخصصين في القيادة: «الناس لا يعملون بأقصى طاقتهم لأن لديهم مديرًا، بل لأن لديهم قائدًا يلهمهم». فالمدير يُنسق الأعمال، أما القائد فيُوحد القلوب والعقول قبل أن يُوحد الخطط.

ويُروى أن أربعة رجال حاولوا دفع عربة ثقيلة علقت في الطريق، وكان كل واحد منهم يدفع بكل قوته، لكن العربة لم تتحرك. فلما اقترب منهم رجل حكيم، لم يطلب منهم أن يزيدوا قوة الدفع، بل طلب منهم أن يتوقفوا لحظة، ثم جعلهم يقفون جميعًا خلف العربة وفي الاتجاه نفسه، فما هي إلا لحظات حتى تحركت بسهولة. فقال لهم: لم تكن مشكلتكم في قلة القوة، بل في تفرقها. وكذلك المؤسسات، فالقيادة الحقيقية ليست في أن تجعل الجميع يعملون، بل في أن تجعل الجميع يعملون في الاتجاه نفسه.

4- غياب المراجعة والتعلم المستمر

وحين تبتلع المؤسسة دوامة الأنشطة المتفرقة، يصبح التوقف للمراجعة ترفًا لا وقت له، وهنا تُحكم الحلقة على نفسها، فلا مراجعة بدون رؤية، ولا رؤية بدون مراجعة.

فمن الأخطاء التي تقع فيها كثير من المؤسسات أنها تنشغل بالعمل أكثر من انشغالها بالتعلم من العمل؛ بمعنى أنها تركز على تنفيذ الأنشطة والإنجازات، لكنها لا تمنح نفسها الوقت الكافي للتأمل في نتائجها، وتحليل أسباب نجاحها وإخفاقها، واستخلاص الدروس المستفادة التي تساعدها على التطور والتحسين المستمر. فتنفذ المبادرات، وتعقد الفعاليات، وتنجز المشاريع عامًا بعد عام، لكنها نادرًا ما تتوقف لتسأل نفسها: ماذا تعلمنا؟ وما الذي نجح بالفعل؟ وما الذي لم ينجح؟ وما الذي ينبغي أن نتوقف عن ممارسته؟ وكيف نستثمر خبراتنا لنحقق نتائج أفضل في المستقبل؟

فالمؤسسة التي لا تُراجع أداءها بانتظام محكوم عليها بأن تكرر أخطاءها مهما امتلكت من خبرات وإمكانات. ولهذا قال الإمام علي : «من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ». وفي حكمة أخرى يقول: «من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر». فالمراجعة ليست اعترافًا بالفشل، وإنما هي طريق التعلم، والتعلم هو الوقود الحقيقي للتحسين المستمر.

حين تعمل المؤسسة كمنظومة واحدة

بعد أن أدركنا أن المشكلة ليست دائمًا في نقص الموارد أو ضعف الكفاءات، بل في تشتت الجهود وغياب التكامل، يبرز السؤال الأهم: كيف تتحول الإمكانات والجهود والطاقات المتفرقة إلى قوة مؤسسية تصنع أثرًا مضاعفًا ونتائج مضاعفة؟

والجواب يبدأ من تغيير طريقة التفكير، إلى توحيد الرؤية والأولويات، وربط أهداف الإدارات والأقسام بالهدف المشترك، وتعزيز العمل المشترك، وإغلاق الدوائر المفتوحة، وإرساء ثقافة التعلم والتحسين المستمر، حتى تتحول كل تجربة إلى معرفة، وكل معرفة إلى ممارسة، وكل خطأ إلى فرصة للتطوير والتحسين.

فالمؤسسات الناجحة لا تنظر إلى إداراتها ولجانها وأفرادها باعتبارهم وحدات مستقلة، بل باعتبارهم أجزاءً في منظومة واحدة، يكمل بعضها بعضًا. والتكامل هنا لا يعني أن يقوم الجميع بالعمل نفسه، وإنما يعني أن يعمل كل فرد في موقعه، وهو يدرك كيف يلتقي دوره مع أدوار الآخرين، لتحقيق الهدف المشترك.

وبهذا يقول بيتر سينغي في كتابه «المبدأ الخامس»: «المنظمات التي ستنجح في المستقبل هي التي تكتشف كيف تستثمر القدرة الجماعية لأفرادها على التعلم والعمل معًا»، تمامًا مثل قائد الأوركسترا، الذي يقف أمام الفرقة العازفة؛ فهو لا يعزف أي آلة، لكنه يجعل عشرات العازفين المختلفين يقدمون مقطوعة واحدة متناغمة.

وفي الختام

يمكننا أن نقول: إن المؤسسات لا تُقاس بما تمتلكه من موارد وكفاءات، بل بقدرتها على جمع تلك الموارد والكفاءات في منظومة واحدة تعمل برؤية واحدة، وغاية واحدة، وروح واحدة. فحين تتوحد الرؤية، وتتناسق الأدوار، وتتجه الطاقات نحو الهدف نفسه، يتحول الجهد العادي إلى أثر استثنائي، وتنتقل المؤسسة من مجرد كثرة العمل إلى جودة الإنجاز، ومن تشتت الإمكانات إلى صناعة التميز، ومن مجموعة أفراد يعملون معًا بجهود متفرقة إلى منظومة واحدة تفكر معًا، وتتعلم معًا، وتنجح معًا.