آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 12:38 ص

حين اطمأنت النفس «2»

فلسفة النفس الراضية في مدرسة الإمام السجاد (ع)

لا يمكن الحديث عن الطمأنينة كحالة نفسية ينعم صاحبها بالاستقرار والهدوء بعيدًا عن التفاعل والتأثر بما يصاحبه من ظروف حياتية ومشاكل تعكّر صفو حاضره ومستقبله، إذ إن هبوب العواصف الحياتية جزء حقيقي من السلم الزمني في حياتنا، ولا يغادر أجواءنا ولا يُستثنى من مواجهته أحد، فالشدائد والمحن تتلوّن بها الحياة، وإنما يقع التباين بين الناس في كيفية التعامل مع هذه المحطة بتحمل المسؤولية أو التهرّب من التعاطي معها أو روح الضعف واليأس مع أول ظهور لها، أما الهدوء والاستقرار النفسي فهو حالة روحية يبلغ فيها الإنسان مقام الثقة بالتدبير الإلهي وفتح نافذة الأمل والرجاء مهما بلغت درجات الألم والأحزان، فيغدو قلبه ثابتًا وإن اضطربت الدنيا من حوله وماجت بسبب أزمات أو صعوبات يواجهها، فيلُمُّ شتات أمره وفكره منذ بداية بروز الوجه الكالح لأي مشكلة، فيمتص الصدمة ويضبط إيقاع انفعاله الوجداني.

ونطلّ على منهجية الإمام السجاد في صنع الشخصية المطمئنة والفاعلة والمؤثرة في جميع الحالات والظروف، لقد كان الإمام السجاد يرى في كل نعمة متجددة دعوة إلى الشكر، وهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى تبدأ في كل يوم مع أنفاس الصباح وإشراقة خيوطه الذهبية، فها هي فرصة سانحة تلوح أمامه، وعليه الإعداد والتهيئة لاقتناصها واغتنامها وتحويلها إلى محطة وجولة جديدة في بناء النفس واكتساب المعارف والفضائل ومعالجة الجروح والآلام، كما أنه يرى في كل بلاء فرصة للصبر وتوطين النفس على تقبل العيشة الصعبة، والتكيف مع ظروف حياتية لا يمكن تغييرها، وهذا هو السر في تلك الإشراقات المعرفية والروحية البارزة من أولياء الله تعالى في كل أحوالهم مع صعوبة ما واجهوه من محن ومحطات ابتلائية، كما أن كل يومٍ يجد فيه ميدانًا جديدًا للتقرب إلى الله تعالى بكل عمل صالح وكلمة حسنة وصنع معروف، فهذا زاده الأخروي، ومع هذا الفهم الواقعي المبني على النظرة الدينية الرابطة بين عالم الدنيا وعالم الآخرة يمكننا فهم كيفية التعاطي مع الأحداث والظروف بعين الحكمة والبصيرة، بخلاف مَن تبتلعُه بؤرةُ التيه والضياع والغفلة بسبب أن علاقته بالأحداث كانت قائمة على الانفعال العاطفي المجرد، بينما المؤمن يقوم فكره على وعي عميق بأن كل ما يجري في الكون داخلٌ في التدبير والحكمة الإلهية، فالنفس المطمئنة تجاوزت سلطان الألم لأنها امتلأت بمعرفة الله تعالى وفوّضت مقاليد أمورها بيده، فأصبحت ترى وراء كل محنة رحمة، ووراء كل تأخير حكمة وتربية إلهية.

إن تحصيل مفتاح السعادة في الحياة، وهو حالة الطمأنينة، ليس نتاج الظروف والحظوظ، بل هي ثمرة إيمانية تترسّخ في الذهن والنفس المتعلِّقة بالتدبير الإلهي، فلا تُصاب باليأس والتشتّت بسبب أزمات يمر بها ليقينه أنها محطات تصنع الإنسان ولا تسقطه أرضًا، فكم من إنسان يملك أسباب الراحة المادية، ولكنه يعيش القلق من مستقبل مجهول لا يعرف ما يخبئه له المستقبل، وكم من مؤمن يعيش في قلب الابتلاء لكنه ينعم بسكينة لا يعرفها أصحاب الرفاهية؛ لثقته بأن الله تعالى لا يترك عبده أسيرًا للكربات والمحن، فالاستقرار النفسي الحقيقي لا تصنعه الأموال ولا المناصب، بل يصنعه القلب المتصل والواثق بالله تعالى.