آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 12:38 ص

عدالة كرة القدم على المحك

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة يتنافس فيها اثنان وعشرون لاعبًا على الفوز، بل أصبحت صناعة عالمية تتداخل فيها الرياضة مع الاقتصاد والإعلام والتسويق. ووفقًا للميزانية التي أعلنها الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، يُتوقع أن تحقق بطولة كأس العالم 2026 إيرادات تقارب 8.9 مليارات دولار من حقوق البث، والرعاية، والتسويق، والضيافة، والتذاكر. وعندما تصل قيمة البطولة إلى هذا الرقم، يصبح من الطبيعي أن تتجاوز الأسئلة حدود المستطيل الأخضر، وأن تمتد إلى أكثر القضايا حساسية: هل لا تزال العدالة الرياضية بمنأى عن كل هذه المصالح؟

قد يبدو السؤال مزعجًا، لكنه ليس جديدًا. فمنذ سنوات، ومع كل بطولة كبرى، يتجدد الجدل حول التحكيم، وتزداد الاتهامات بوجود محاباة لهذا المنتخب أو ذاك، أو لهذا النجم أو غيره. وفي السنوات الأخيرة، كان اسم ليونيل ميسي حاضرًا في قلب هذا النقاش، ليس فقط بسبب موهبته، وإنما أيضًا بسبب مكانته العالمية وقيمته التسويقية الهائلة.

خلال كأس العالم 2026، عاد الجدل من جديد. فقد اعترض الاتحاد المصري على عدد من القرارات التحكيمية في مباراته أمام الأرجنتين، معتبرًا أنها أثرت في مجريات اللقاء، بينما رأى آخرون أن تقنية الفيديو لم تتعامل بالمعيار نفسه مع جميع الحالات المتشابهة. وفي المقابل، خرج رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم، بييرلويجي كولينا، مؤكدًا أن الحكام يعملون باستقلالية كاملة، وأن جميع القرارات المهمة تخضع للمراجعة وفق قوانين اللعبة، لا وفق أسماء اللاعبين أو المنتخبات.

لكن النقاش حول العدالة لا يرتبط بمونديال 2026 وحده. فقد أعاد كثيرون تداول تصريحات الحكم التشيلي السابق كارلوس تشانديا، الذي اعترف في مقابلة مع شبكة ESPN بأنه تعمد عدم منح ليونيل ميسي بطاقة صفراء في نصف نهائي كوبا أمريكا 2007 أمام المكسيك، رغم أن البطاقة كانت ستحرمه من خوض المباراة النهائية. وقال تشانديا إنه أخبر ميسي أثناء اللقاء: «هذه بطاقة صفراء، لكنها ستكلفك قميصك»، قبل أن يتسلم القميص منه بعد المباراة. كما أشار إلى أنه لم يُكلَّف بإدارة النهائي لاحقًا بعد اعتراضات من الجانب البرازيلي.

هذه الواقعة وحدها لا تثبت وجود محاباة مؤسسية، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كان حكم دولي يعترف بأن مكانة لاعب أثرت في قراره داخل الملعب، فهل يمكن تجاهل أثر النجومية على بعض القرارات البشرية؟

ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي أثارت النقاش. ففي تصفيات كأس العالم 2014، التقط الحكم المساعد الباراجواياني نيكولاس يغروس صورة تذكارية مع ميسي بين شوطي مباراة رسمية، وهو تصرف أثار انتقادات واسعة لأنه مس بصورة الحياد التي يُفترض أن يتحلى بها الحكم. كما تداولت وسائل إعلام إسبانية عام 2016 تقارير تحدثت عن أن الحكم الإسباني ريكاردو دي بورغوس بنغويتشيا طلب الحصول على قميص ميسي خلال مباراة لبرشلونة، وهي رواية بقيت محل تداول إعلامي، لكنها لم تثبت مخالفة تحكيمية في تلك المباراة.

في المقابل، يرفض كثير من خبراء التحكيم القفز من هذه الوقائع إلى استنتاجات عامة. فهم يرون أن الخطأ التحكيمي جزء من اللعبة، وأن قرارات كثيرة أثارت غضب الجماهير تبيّن لاحقًا أنها كانت صحيحة عند مراجعتها وفق القانون. ويؤكدون أن تقنية الفيديو، رغم كل ما يوجَّه إليها من انتقادات، صححت مئات القرارات التي كان من المستحيل اكتشافها في الماضي.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أصبحت الجماهير أكثر شكًا لأن التحكيم تراجع، أم لأن كل لقطة باتت تُعاد عشرات المرات من زوايا مختلفة، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل أي قرار إلى قضية عالمية خلال دقائق؟

الحقيقة أن كرة القدم اليوم تختلف عن كرة القدم قبل ثلاثين عامًا. وكأس العالم اليوم كذلك يختلف عن كأس العالم في السبعينيات والثمانينيات، فاللاعب لم يعد مجرد لاعب، بل أصبح مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا. والبطولة لم تعد مجرد منافسة على الكأس، بل منصة إعلامية وتسويقية تستثمر فيها الشركات مليارات الدولارات. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحفاظ على ثقة الجمهور في نزاهة المنافسة مسؤولية أكبر من أي وقت مضى.

لا أحد يستطيع أن يجزم بوجود محاباة لميسي أو لغيره، كما لا يستطيع أحد أن ينفي أن بعض الوقائع تثير التساؤلات. وبين هذين الموقفين تبقى الحقيقة رهينة الأدلة، ويبقى الجدل مشروعًا ما دام قائمًا على الوقائع لا على الانطباعات.

وربما لهذا السبب، لم تعد القضية اليوم من هو أفضل لاعب في العالم، ولا من يستحق اللقب، بل سؤال أكثر عمقًا: كيف تستطيع كرة القدم، وهي أكبر صناعة رياضية على وجه الأرض، أن تحافظ على أثمن أصولها... ثقة جمهورها؟ لأن البطولة قد تخسر بطلًا وتجد بطلًا آخر، وقد تعوض راعيًا براع جديد، لكنها إذا خسرت ثقة الناس بعدالة المنافسة، فإنها تخسر شيئًا لا يمكن شراؤه بأي مبلغ، مهما بلغت قيمة حقوق البث أو عقود الرعاية.