آخر تحديث: 14 / 7 / 2026م - 3:31 ص

فرق توقيت

سوزان آل حمود *

في اللحظة التي يرتشف فيها أحدهم قهوة الصباح متأملًا شروق الشمس من نافذته في طوكيو، هناك من يغلق حاسوبه متعبًا يستعد للنوم تحت أضواء نيويورك الخافتة. في اللحظة التي يحتفل فيها شابٌ بتخرجه بعد سنوات من السهر، يجلس آخر في الركن المقابل يندب حظه لعثرةٍ في منتصف الطريق. نركض جميعًا في المضمار ذاته، لكننا لسنا في ذات الدقيقة. الحياة ليست ساعة حائط معلقة في ردهة الكون مضبوطة على توقيت واحد. الحياة «فرق توقيت» شاسع، نعيشه تفصيلًا وشعورًا ومصيرًا.

كثيرًا ما نقع في فخ المقارنة المُهلكة، ننظر إلى ساعات الآخرين وننسى أن نضبط ساعاتنا. نرى فلانًا قد أصبح مديرًا في الخامسة والعشرين، ونرى علانًا قد تزوج في العشرين، فنشعر بأن قطارنا قد فات، وأن عقاربنا قد أصابها الصدأ.

لكن الحقيقة الحية تكمن في مفهوم «المنطقة الزمنية الشخصية».

لكلٍّ منا ميزانه الخاص: لم يتأخر من نجح في الأربعين، ولم يستعجل من وصل في العشرين.

العبرة بالرحلة، لا بالسرعة: توقيتك ليس توقيتَ غيرك، والنجاح ليس وجبة جاهزة تُقدم للجميع في نفس الدقيقة.

القدر يطبخ الأشياء على نار هادئة: بعض البذور تنبت في أيام، وبعضها يحتاج سنوات ليصبح أشجارًا باسقة.

إن هذا الفارق في التوقيت ليس دليلًا على فشلك، بل هو دليل على تميز قصتك. أنت لست متأخرًا عن أحد، ولست متقدمًا على أحد، أنت تعيش فقط في «توقيتك المثالي» الذي قدّره الله لك.

«فرق التوقيت» لا يُقاس فقط بـ «GMT+3» أو «GMT-5»، بل يُقاس أحيانًا بالمسافة النفسية بين فكرين، أو بين قلبين.

قد تجلس مع شخص في الغرفة نفسها، يفصل بينكما سنتيمتر واحد، ولكن بينك وبينه «فرق توقيت» يُقدَّر بقرون من الوعي أو الفهم.

قد تعيش قصة حب أو صداقة، لكنها تفشل لأن أحدهما كان في «توقيت» الاستقرار، والآخر في «توقيت» الاكتشاف والتخبط.

لذلك، فإن استيعاب هذا المفهوم يمنحنا سلامًا داخليًّا هائلًا، يجعلنا نتقبل وتيرة الآخرين، ولا نجلد ذواتنا إذا تباطأت خطواتنا.

في نهاية المطاف، تذكر أن الشمس لا تشرق على الأرض كلها في دقيقة واحدة، لكنها تشرق حتمًا على كل شبرٍ فيها حين يأتي دوره. لا تنظر إلى «فرق التوقيت» بينك وبين أقرانك على أنه حرمان، بل هو إعدادٌ لظهورٍ أجملَ.

وكما قيل في الأثر وعبر التاريخ، لطالما كانت الشواهد تؤكد أن العبرة بالخواتيم والعمق، لا بالسبق الزمني:

قال تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا [يوسف: 83] إيذانًا بأن لكل غائب توقيت عودة، ولكل جرح توقيت شفاء.

وقال أونوريه دي بالزاك:

«كل شيء يأتيك في الوقت المناسب، إن كنت متسلحًا بالصبر».

وهناك حكمة عالمية:

«لا تقارن بدايتك بمواسم حصاد الآخرين».

ارفع يدك عن زر الاستعجال، وتنفس بعمق، واعلم أن ساعتك مضبوطة بدقة متناهية بيد الخالق سبحانه، وما عليك إلا السعي، وترك ضبط العقارب لمن أتقن كل شيء خلقه.