آخر تحديث: 13 / 7 / 2026م - 12:13 ص

لماذا لا نلتقي في النادي؟

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في طفولتي، كنت أستغرب مشهدًا يتكرر في كثير من الأفلام العربية. كلما أراد الأصدقاء اللقاء، أو رغبت أسرة في قضاء المساء، أو احتاج أحدهم إلى استراحة من ضغوط الحياة، كانت العبارة نفسها تتردد: «نلتقي في النادي».

لم يكن النادي مجرد ملعب لكرة القدم، ولا صالة رياضية، بل مساحة للحياة. مكانًا يلتقي فيه الآباء والأمهات، ويلعب الأطفال بأمان، ويمارس الشباب الرياضة، ويجلس كبار السن يتبادلون الأحاديث، بينما تنبض المقاهي والحدائق والفعاليات بالحركة. كان النادي جزءًا من تفاصيل المجتمع، لا حدثًا موسميًا يرتبط بمباراة أو بطولة.

وعندما أنظر إلى مدننا اليوم، أتساءل: لماذا أصبح المول إحدى وجهاتنا الأساسية للقاءات الاجتماعية؟

أصبحنا نبحث عن مكان نجتمع فيه، فنقود سياراتنا إلى مركز تجاري، ونمشي بين المتاجر، ونجلس في مقهى، بينما يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات، وتتراجع الحركة البدنية عامًا بعد عام. وفي الوقت نفسه، نستثمر مليارات الريالات في الرياضة، ونبني منشآت رياضية عالمية، لكن كثيرًا من هذه المنشآت لم يصبح بعد جزءًا من الحياة اليومية للأسرة.

لسنا بحاجة إلى إنشاء مرافق جديدة بقدر حاجتنا إلى إعادة التفكير في وظيفة الأندية الرياضية.

فالأندية اليوم تمتلك المقومات التي تؤهلها لتصبح مراكز مجتمعية نابضة بالحياة، لا مجرد مقرات للفرق الرياضية. ويمكن من خلال نظام عضويات سنوية للأفراد والعائلات أن تتحول إلى وجهة يومية تضم مسارات للمشي، وصالات رياضية، وملاعب للأطفال، ومسابح، ومقاهي، ومساحات للعمل والدراسة، وبرامج ثقافية، وفعاليات مجتمعية، وأكاديميات رياضية، بما يجعل زيارة النادي عادة اجتماعية وليست مناسبة استثنائية.

هذه ليست فكرة جديدة على العالم، فقد تبنت دول عديدة نماذج للنوادي المجتمعية أو الأندية متعددة الاستخدام، وأصبحت هذه الأندية مصدرًا للإيرادات، ومنصة لتعزيز الصحة، وبناء العلاقات الاجتماعية، وتحسين جودة الحياة.

أما في المملكة، فإن البيئة أصبحت أكثر جاهزية من أي وقت مضى. لدينا أندية رياضية كبيرة، وعلامات تجارية جماهيرية، واستثمارات ضخمة في القطاع الرياضي، ومستهدفات واضحة لتعزيز النشاط البدني وجودة الحياة. ويبقى السؤال: كيف يمكن استثمار هذه المقومات على مدار العام، إلى جانب دورها في المنافسات الرياضية؟

تخيلوا لو أصبح لكل نادٍ برنامج عضوية عائلية، تقضي فيه الأسرة مساءها، ويمارس الأبوان الرياضة، ويشارك الأطفال في الأنشطة، ويجد الشباب مساحة للالتقاء والإبداع، بينما تحقق الأندية مصدر دخل مستدامًا من الاشتراكات والخدمات والفعاليات، بعيدًا عن الاعتماد على الإيرادات الموسمية وحدها.

إن الأثر لن يقتصر على زيادة الإيرادات، بل سيمتد إلى تحسين الصحة العامة، وتقليل الخمول البدني، وتعزيز الترابط الأسري، ورفع جودة الحياة، وبناء مجتمعات أكثر تفاعلًا، مع تحويل الأندية إلى جزء أصيل من المشهد الحضري في مدننا.

ولعل الوقت مناسب لدراسة إمكانية تبنّي مشروع تجريبي، بالشراكة بين الجهات المعنية والأندية الرياضية الكبرى، يقوم على إنشاء العضوية المجتمعية للأندية الرياضية، وقياس أثرها صحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، قبل التوسع فيها على مستوى المملكة.

ربما آن الأوان أن تصبح العبارة التي كنا نسمعها في الأفلام جزءًا من واقعنا أيضًا..

«نلتقي في النادي»

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي