كلمات إيل
مرثية قرت حدشت
بِسْمِ إِيلَ العَالِي، رَافِعِ السَّمَاءِ، وَمُنْزِلِ الحَرْفِ وَالكَلِم.
هذا ما شَهَدْتُه وقيّدتُه أنا، إيتانس الصغدي، سادن الرقوق في مكتبة الإسكندرية، وحارس ذخائر الميثاق في زمن الجنون. أكتبه بحبر النزف من جسد ”قرت حدشت“ الذي يتهاوى. ذلك المجد الذي هو لنا ومنا، يوم شيّدته سيدتنا بأحرف النور قبل أن يمسخه جنون أبنائها. أُشهِد عليه الزمان، لنَقُصَّ خبر الابنة المؤسّسة البارّة، ”أليسار“، التي خانها بنو قومِها، وكيف استنطقنا أحوال أبجديّتها الشريفة قبل أن تطال إرثها حرابُ الروم.
فلما رصدنا من المشرق حوادث الغرب، وتتابعت إلينا أخبار ”حروب البونيق“ التي نشبت أظافرها بين روميّة و”قرت حدشت“، رأيت من مرصدي في الإسكندرية كيف ركب أمراء قرت حدشت سفن الجنون، يتحذلقون في مَقامِر السياسة، ويقلّدون طواغيت روميّة في التوسّع الأعمى. نسوا أن مدينتهم لم تُبنَ لتكون ثكنةً عسكريةً تطحن البشر، بل بنتها ”أليسار“ لتكون مشكاة للنور العالي، وملاذا للحرف الذي حرّره زوجها الشهيد ”ذخر - إيل“.
أدركتُ حينها بيقين المبصر أن قرت حدشت قد دخلت أطوار التدمير المحتوم. فالممالك التي تُحكم دون ميزانٍ ستأكل نفسها حتى تفنى. لم أقف مكتوف الأيدي، بل أخذت أنا بزمام المبادأة. راسلت على الفور ”شيخ الميثاق وقطبه العدناني“ في فاران الجنوب، أبثّه خشيتي على تراث السيدة، وأطلب مشورته في انتشال هذا الإرث قبل غرق السفينة.
جاءني الرد من الشيخ القطب محموداً. فأقرّ ما رأيتُ، وباركها، وأيدني بمدد عظيم من المال من خزائنه، لتكون لي اليد الطولى في تجهيز أسباب الإنقاذ. وبهذا المدد، بعثت رسلي ومكاتباتي السرّية أطلب انتقال ”نظارة الموروث الأليساري“ إلى حمانا. فكان المتلقّي لمكاتبتي هذه في قرت حدشت هو كبير الأمناء وسادن السر: ”عبد - أشترت“ [1] .
استجاب عبد - أشترت لندائي. وحين اشتدّت سكرة قرت حدشت، وعادت مذابح ”مولوخ“ لتلتهم الأطفالَ قرابينَ فجورٍ لهم، جمع المريدين الخلّص وفرّ هارباً تحت جنح الظلام.
رست سفينتهم في مينائنا بالإسكندرية، فدخل عليّ عبد - أشترت لاجئاً طريداً، ترعد فرائصه خوفاً على عهد إيل الذي بين يديه. فآويته ورفاقه في كنف المكتبة، وبسطت لهم رداء الأمان. وفي تلك الليلة، وسّعت من حلقة ”جماعة الميثاق“ الإسكندرانية. فأدمجت فيها وفد قرت حدشت، ليلتئم شمل المشرق بالأمناء الوافدين من المغرب، ويصبحوا ذراعاً جديدة حصينة في حفظ السر.
لم يأتنا ”عبد - أشترت“ خالي الوفاض، بل جاء يحمل ”ميراث السيدة“ كاملا.. تلك المقدّرات التي افتديناها بمال الشيخ العدناني. قدّم لي نفائسها العينية الكريمة، ورفض إليّ بأعظم منها: ”الذخائر العمليّة“ الخاصة بالسيدة المؤسسة ”وعلى رأسها تميمتها النحاسية المصمتة التي تحوي رقعة ذخر - إيل“.
ومن هذه الذخائر، ومن روايات ”عبد - أشترت“ ومريدي السيدة الجليلة الذين حفظوا أيامها، تكشّفت لي سيرتها التفصيلية العظيمة. تلك السيرة ذاتها التي قيدناها ورأيتموها مبسوطة فيما تقدم من هذه الرقوق. عرفتُ كيف بنت، وكيف حاورت، وكيف جعلت المروءة سورا قبل أن ترفع الحجر، وكيف أرادت للحرف أن يكون سلاحا لانعتاق الروح.
لما اجتمعت لدينا الذخائر، عكفتُ أنا بمشرطي المنطقي الذي يفكك الطلاسم، وشيخ العرب ببصيرته التي تستقرئ الغيب، على فكّ ختم التميمة النحاسية.
لما قرأنا المقامات الهندسية للأبجدية ”أبجد، كلمن، قرشت“، بكى شيخ العرب لألوكة [2] أجداده النفيسة هذه، واهتز قلبي غيرةً وشغفاً على السيدة المغدورة. أدركنا يقينا أن الأبجدية لم تكن قط حروفاً لتقييد الصفقات، بل كانت ”ثورةً روحيةً“. ف أليسار لم تؤسّس مدينةً، بل أسّست وعاءً للنور، ليكلّم العوّام خالقهم العالي بلا كاهن وسيط.
رأينا في ”الأليف“ كيف أقامته ”أليشة“ عموداً للتوحيد وسط غابة الأصنام. وفي ”الباء“ كيف بنت ”قرت حدشت“ لتكون بيتا يحتوي كل موحّد طريد. وفي ”النون“ كيف غاصت في عتمة التآمر البشري لتنجو بالميثاق.
وقد كتب إليَّ الشيخ القطب بحروف المسند الجنوبي الشديدة:
”يا إيتانس.. قل للتاريخ إن الابنة البارة“ أليسار ”بريئة من جنون خلفها! لقد شيّدت الجدران بالمروءة، ولكنّ تجّارهم حشوها بدماء الأبرياء. إن حروف“ ذخر - إيل ”هي العقد الذي وقّعناه مع السماء، وما فعله القادة أنهم حرّفوا اسم مدينتهم من قرت حدشت إلى قرطاج [3] وحوّلوا معها سيوف الدفاع عن الحرف، إلى خناجر تطعن بصيرته.“
إني وأنا أدوّن هذه الشهادة، لَأُشهد السماء أن ”عصبة الميثاق“ قد أدّت أمانتها. دَعُوْا روميّة تتغطرس بفيالقها، ودَعُوْا أمراء ”قرطاج“ المجانين يغرقون في دماء البحر المتوسط [4] . أما نحن، فسنحمل ”الأليف والباء وسائر المقامات“، ونمضي بها في قوافلنا، في صدورنا، في صمتنا المهيب، حتى يأتي زمان تشرق فيه الشمس من جديد، ليُنطق بالحرف الكامل، نوراً يبتلع ظلمات الروم وحماقات الإغريق واستكبار أرباب قرطاج. [5]
كُتب [بالآرارمية] بيد: إيتانس الصغدي
رقيما محفوظا في جوف الإسكندرية، مدونا بشهادة أهل الميثاق.
أرخ في العام الثامن عشر من حكم السلوقيين، والعام الحادي عشر لحكم البطالمة الأوائل [6]













