ما رأيتُ إلّا جميلًا
ليست كلمة السيدة زينب بنت علي عليهما السلام: «ما رأيتُ إلّا جميلًا» كلمة عزاءٍ عابر، ولا جوابًا في مجلس قاهر؛ بل هي بصيرةٌ وقفت أمام البطش فلم تنكسر، ويقينٌ نظر إلى الجرح فرأى فيه النصر، وإيمانٌ تجاوز صورة المصيبة إلى سرّ العاقبة. وقد رُوي أنّها قالت في مجلس ابن زياد: «ما رأيتُ إلّا جميلًا، هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم…»، فحوّلت موضع الشماتة إلى منصة شهادة، ومجلس الإذلال إلى محراب جلال.
وما الجمال هنا جمال الدم، ولا جمال الألم، ولا تزيين الظلم؛ فالظلم قبيحٌ وإن علا، والعدوان شنيعٌ وإن طغى، وقتل النفس الزكية جريمةٌ لا تُسمّى قدرًا جميلًا من جهة فاعلها، لكنها تصبح عند المظلوم باب رفعة، وعند الصابر مقام حجة، وعند المؤمن طريق قربٍ لا طريق قهر. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
ومن هنا نفهم الحديث الصحيح: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير… إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»؛ فالمؤمن لا يرى الحياة وردًا بلا شوك، بل يرى الشوك اختبارًا، والورد امتنانًا، والاثنين طريقًا إلى الله إن صحّت النية واستقام السلوك.
في الوظيفة، قد يأتيك ظلمُ مسؤول، أو جفاءُ زميل، أو تأخرُ تقدير؛ فقل: ما رأيت إلا جميلًا، لا استسلامًا للخلل، بل صبرًا مع عمل، وحكمةً بلا هزل، ومطالبةً بالحق بلا وجل. وفي المال، قد تضيق الأبواب، وتتأخر الأسباب، فيكون الجمال في القناعة لا في القعود، وفي السعي لا في السخط، وفي الدعاء لا في اليأس. وفي فقد الأحبة، ينكسر القلب ولا ينكسر الإيمان؛ فالدمعة رحمة، والرضا حكمة، والذكرى نعمة. وفي ظلم الأقارب، يكون الجمال في كفّ الأذى، وصون اللسان، وترك الانتقام، وردّ الأمر إلى الديّان. وفي الشهادة، يبلغ الجمال ذروته؛ لأن الجسد يسقط في الأرض، والاسم يصعد في الخلد، والدم يصير درسًا لا يذبل.
وقد رُوي عن أمير المؤمنين علي
: «عليكم بالصبر، فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد»، فالصبر ليس ضعفًا، بل ضبطٌ للنفس عند العاصفة، وربطٌ للقلب عند الراجفة.
ف «ما رأيت إلا جميلًا» ليست دعوةً لتجميل الباطل، بل دعوةٌ لرؤية الله فوق الحادثة، والحق فوق الهزيمة، والعاقبة فوق اللحظة. هي مدرسة زينبية تقول لنا: لا تجعلوا المصيبة تكسر بصيرتكم، ولا تجعلوا الظلم يسرق طهارتكم؛ فربّ جرحٍ فتح بابًا، وربّ فقدٍ أيقظ قلبًا، وربّ كربٍ صنع إنسانًا، وما كان مع الله فهو جميل، وما انتهى إلى الله فهو جليل.













