آخر تحديث: 10 / 7 / 2026م - 8:22 م

الإفلاس والنصب

المهندس أمير الصالح *

مقدمة

يُعدّ مصطلح ”إفلاس الشركات“ من المصطلحات حديثة البروز في بعض مناطق العالم العربي؛ فمحليًا كان السائد هو استخدام مصطلح ”مُعسر“ ومفردة ”صك إعسار“. ومن المعلوم أنه حال حصول أحد ملاك الشركات أو المساهمات المغلقة على صك إعسار، يتوقف المعسر عن سداد ديونه، ويتم تجميد جميع المطالبات ضده بقوة القانون، ولا عزاء حينئذٍ للمساهمين أو الدائنين.

بسبب ذلك، اتسعت في تلك الآونة فجوة الريبة في الذمم المالية، وزاد معدل الخوف من الشراكات، وقُوضت روح الاستثمار لدى قطاع عريض من المجتمع، كما سادت الخشية من سوء استغلال صكوك الإعسار من قبل فئة عُرفت بالاحتيال والمراوغة.

لاحقًا، ومع حدوث الطفرات الاقتصادية الجديدة وعولمة التجارة (GATT)، تولدت فكرة اقتباس قوانين تعتني بإجراءات إشهار إفلاس الشركات؛ وهو ما يُعرف في الدول الصناعية بـ (Chapter 11)، لتنظيم إجراءات ومعايير إعلان الإفلاس وحوكمته، ولمنع التلاعب والتدليس والانتحال من قبل الفاسدين.

إلا أن الفضائح المالية لبعض الشركات العالمية والإقليمية تنم عن اختراقات تمت وتتم من قبل البعض لمعظم تلك القوانين والإجراءات والمراجعات المالية، إما في مراحل التطبيق، أو الحوكمة، أو إعداد القوائم المالية، أو بسبب النفوذ والفساد وشراء الذمم وضعف الرقابة، كما حدث لشركتي Enron الأمريكية وSNC-Lavalin الكندية وغيرهما.

وبحمد الله، أُطلقت في دولتنا العزيزة لجان ومؤسسات عامة تعتني بحفظ الحقوق وردها لأهلها، وتجتث الفساد والاختلاسات والاحتيال بصوره والتلاعب من جذوره، ويُتعارف عليها رسميًا باسم لجان ”نزاهة“. وتوجد لدينا ثلاث محطات رئيسة للإبلاغ عن ذلك: وزارة التجارة عبر البريد الإلكتروني [email protected] أو تطبيق ”بلاغ تجاري“، وهيئة الرقابة ومكافحة الفساد ”نزاهة“ عبر تطبيق الإبلاغ عن الفساد، أو إبلاغ وزارة العدل، بالإضافة إلى تطبيق ”توكلنا“ في أمور الاحتيال المالي الإلكتروني.

تمهيد

قبل عدة أيام، تُودولت أخبار تفيد بإفلاس عدد من الشركات حول العالم وفي بعض حواضر الدول العربية، وقد أحدث ذلك الإعلان قلقًا شديدًا، وطرح عدة استفسارات من جهات مختلفة؛ من ضمنهم الأفراد وبعض المساهمين في تأسيس رأس مال تلك الشركات، حول مصير حقوق العاملين، والالتزامات المالية للشركات المفلسة نحو مورديها، ومصير عقود الشركات المزودة للخدمات خلال الفترات المقبلة.

حوار

أصدرت مؤسسة ”إيسار“ بيانًا ينص على أن: (إجراءات الإفلاس لا تعني بالضرورة خروج المنشأة من السوق، بل تمثل إطارًا نظاميًا يوفر خيارات لمعالجة أوضاعها المالية ومعاودة نشاطها والإسهام في دعم الاقتصاد وتنميته).

بالفعل، تحدث إفلاسات لشركات كبرى وصغرى لأسباب وجيهة ومعلومة للجميع، كظروف قاهرة وعرضية خارج الدراسات الاقتصادية للمشروع، كالزلازل والأعاصير والبراكين. كذلك هناك أمور لا يمكن التنبؤ بها لأنها تحل دون مقدمات منطقية، مثل حادثة تشرنوبل أو نضوب مستوى إنتاج النفط في بعض الدول كإندونيسيا.

تساؤل

الشركة والمؤسسة شخص اعتباري كالشخص الطبيعي تمامًا، يتعرض لكل أنواع التقلبات ومنها الإفلاس إن أساء الإدارة المالية. فالسؤال: ”لماذا تفلس بعض الشركات بعينها؟“ هو ذاته: ”لماذا يفلس بعض الأشخاص؟“.

أهم أسباب إفلاس الشركات:

• ارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل.

• انخفاض المبيعات في بعض القطاعات وضمور التدفقات النقدية.

• سوء الإدارة والتوسع غير المدروس.

• تراكم الديون وتأخير سداد حقوق الموردين.

• تسييل الموارد (معدات، عقود) عبر بيعها بأقل من سعرها الأصلي لتوفير سيولة نقدية، والمجازفة بتلك السيولة في مجالات تجارية أخرى (مثل بيع الأراضي، أو شراء الأسهم، أو الذهب للمضاربة السريعة).

• عدم مواكبة متطلبات المنافسة الشديدة، والجهل بتغير سلوك المستهلك، مما يؤدي إلى تكدس السلع وتبورها أو اضمحلال قيمتها.

• عدم القدرة على إعادة هيكلة الالتزامات المالية في الوقت المناسب بسبب تعدد القروض أو التوسع الجغرافي مع قلة التدفق المالي.

السؤال: هل يمكن أن يتم إفلاس شركة عمدًا من قبل بعض ملاكها؟

الجواب نعم؛ إذ قد يتم عبر ”هندسة رياضية مالية“ إجراء عقود وهمية، أو تزوير النفقات، أو تضخيم قيمة أصول الشركة قبيل الطرح للاكتتاب، أو إبرام عقود بالباطن بأسعار مبالغ فيها لصالح موردين محددين بهدف إفراغ خزينة الشركة المساهمة لمصالح فردية. كما يمكن إنشاء شركات منافسة في ذات القطاع مع أصدقاء لخلق منافسة وهمية تبرر الإخفاق في الأداء، بينما يتم في الواقع ترحيل الزبائن للشركات الأخرى للسطو على موارد الشركة المساهمة.

قصص للعبرة

أيها القارئ الكريم، اعلم أن تعثر بعض الشركات لا يبدأ مع افتتاح إجراءات الإفلاس رسمياً، بل قد يسبقه بوقت كافٍ، ويُحتمل أنه أمر مُخطط له مع الترصد والإصرار. ففي اللحظات التي يستشعر فيها بعض المدينين اقتراب التعثر وتراكم الخسائر —بعد انتهاء حفلة توزيع الحصص والهدايا الباهظة والرواتب العالية للأقارب والأصدقاء— تبدأ الذمة المالية بالتغير.

فقد تسجل المؤشرات انتقال الأصول، والتوسع في الاقتراض، والابتعاد عن التواصل مع المساهمين، وتغير التصرفات وترتيب الأولويات، وصولًا إلى إعادة تقييم الأصول بشكل مبالغ فيه وانخفاض عوائد التشغيل، وكأن المشهد يُعاد تشكيله قبل وصول لجان مكافحة الفساد والقضاء. ويبدأ الأمر بخطوةٍ تبدو مألوفة، مثل إعادة الهيكلة أو استدعاء استشاري متخصص أو اقتراض للتوسع، ثم تتبعها خطوات أخرى، حتى تتكون سلسلة من التصرفات التي لا يجمعها النشاط التجاري المعتاد، وإنما يجمعها هدف واحد: إبعاد الأموال عن متناول أيدي المساهمين والدائنين، وإثارة الغبار في عيون المتابعين لزيادة البهرجة واتساع رقعة الضحايا.

الفساد في إدارة الشركات

حتمًا، إن لم تتم معالجة مظاهر الفساد والتلاعب بالسندات المالية والدفاتر الحسابية، فإن اقتصاد الشركات سيتضرر بشكل بالِغ، وتهتز ثقة المساهمين، وقد يصل الأمر إلى العزوف تمامًا عن الاستثمار. وتلاشي الثقة في عالم المال والأعمال يعني ضمور التدفق المالي، وبالتالي احتمالية هروب رؤوس الأموال إلى مناطق أكثر نضجًا وعدلًا وحوكمة، ومن جهة أخرى، يؤدي هذا الضمور إلى زيادة البطالة وتزايد النزاعات وافتقاد الشعور بالأمن المالي.

ظروف مواتية لإعلان الإفلاس

عند اشتعال الحروب أو تفشي الأوبئة العارضة، يتخذ بعض مديري الشركات السيئين تلك الظروف كذريعة يعلقون عليها فشل السنوات الماضية، ويغتنمون الفرصة لإعلان الإفلاس؛ وهذا سيناريو وارد جدًا.

وهناك سيناريو آخر يتمثل في نسب فشل الشركة —التي تمتلك طلبًا عاليًا على منتجاتها— إلى محاسب وافد، ليخرج المدير الإداري من الأزمة سالمًا من أي ملاحقة قانونية؛ فيتم إنهاء خدمات المحاسب كعقوبة، بينما المال المختفي لا أحد يعلم أين ذهب، إذ يُحتمل ترحيله خارج الحدود ليتم اقتسامه بين الأطراف المستفيدة، ولا تستبعد أن يكون الصراخ على المحاسب مجرد جزء من ”مسرحية الإفلاس“.

توصيات ومقترحات

• تطبيق حوكمة وإفصاح مالي قوي وصارم داخل كل شركة مساهمة.

• تفعيل أنظمة إنذار مبكر للتعثر لوقف الخسائر في مهدها.

• عند طلب القروض أو التمويل أو إصدار الصكوك، تمر العملية عادة بتقييم المخاطر والملاءة المالية؛ إلا أننا نُفاجأ أحيانًا بأن شركات خاسرة توزع أرباحًا عبر الاقتراض ثم تعلن إفلاسها، أو تقوم بعملية ”أرجوحة مالية“ (تخفيض رأس المال، ثم إعادة اكتتاب، ثم تكرار العملية). والواقع يتطلب تدخلًا رسميًا ومرور كامل العملية عبر مؤسسات الدولة لحماية أموال المساهمين من التفتيت.

ختامًا

يحق لكل مساهم أن يتواصل مع إدارة الشركة التي يمتلك حصة فيها عبر إدارة ”علاقات المساهمين“ لطرح تساؤلاته والحصول على أجوبة شافية ومقنعة. فإن لم يجد ذلك نفعًا بسبب التجاهل أو الإهمال أو التكتم على الفشل، فإن التصعيد للجهات الرسمية المعنية هو أمر محمود ومطلب مستحق، وحينئذٍ العتب مرفوع والاستياء مرفوض، والله خير الرازقين.