آخر تحديث: 9 / 7 / 2026م - 9:16 م

هل أُنصِفَ الأبُ فعلًا؟

هاشم الصاخن *

كثيرًا ما نسمع عن عيد الأب وعيد الأم وعيد الجد والجدة، وقد تكون هذه الثقافة حديثة نسبيًا على مجتمعاتنا الخليجية، لا لأن الناس في السابق كانوا مقصرين في حق آبائهم وأمهاتهم، بل لأن العالم اليوم أصبح أكثر انفتاحًا، وأصبحت المناسبات والأفكار تنتقل بين الشعوب خلال لحظات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل.

ومع هذا الانفتاح، بدأت هذه المناسبات تأخذ حضورًا واضحًا في مجتمعاتنا، وصار التفاعل معها أكبر عامًا بعد عام، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بل إن المتابع يلحظ أحيانًا تعليقات ساخرة ومضحكة تكشف حجم الفارق في التفاعل بين عيد الأم وعيد الأب؛ فبمجرد أن يحل عيد الأم تمتلئ المنصات بالصور والرسائل والمقاطع والعبارات المؤثرة، بينما إذا جاء عيد الأب ظهر من يعلّق ساخرًا: تذكرتوا أن للأب عيدًا؟ أو الأب آخر من يعلم أو حتى في الاحتفال دوره ثانوي. وقد تبدو هذه التعليقات خفيفة أو عابرة، لكنها في الحقيقة تعكس شعورًا موجودًا بأن الأب لا يحظى بالحضور نفسه الذي تحظى به الأم، لا اجتماعيًا ولا إعلاميًا ولا حتى داخل بعض البيوت.

ولا شك أن الأم تستحق كل ما يُكتب فيها من تقدير ووفاء واحتفاء، فهي صاحبة مكانة عظيمة لا ينازع فيها أحد، لكن الحديث هنا ليس عن تقليل حق الأم، وإنما عن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أخذ الأب حقه كاملًا من الإنصاف والتقدير؟ وهل ينظر الأبناء إلى الأب بالميزان نفسه الذي ينظرون به إلى الأم؟ أم أن صورة الأب في أذهان كثيرين ارتبطت بالقوة والصلابة وتحمل المسؤولية، حتى ظن البعض أنه لا يحتاج إلى احتواء ولا إلى تقدير ولا حتى إلى كلمة وفاء؟

في كثير من البيوت، يُنظر إلى الأم على أنها الطرف الأضعف والأكثر احتياجًا للمساندة والالتفاف، بينما يُنظر إلى الأب على أنه الطرف القادر دائمًا على التحمل، وكأن الصبر واجب عليه وحده، وكأن التعب لا يمر به، وكأن القلق لا يسكنه. وهذه نظرة غير عادلة، لأن الأب وإن بدا صامتًا أو قويًا، إلا أنه يحمل من الهموم والتفكير والمسؤولية ما لا يراه كثير من الأبناء.

الأب في الغالب لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش محاطًا بمسؤوليات لا تنتهي. يفكر في البيت ومصروفه، وفي الأبناء وتعليمهم ومستقبلهم، وفي احتياجات الأسرة، وفي ما قد يطرأ غدًا من ظرف أو أزمة أو التزام. هو لا يتحمل مسؤولية لحظة، بل مسؤولية عمر كامل. بل إن كثيرًا من الآباء لا تقتصر أدوارهم على الإنفاق فقط، وإنما تمتد إلى متابعة تفاصيل البيت من داخله وخارجه، والسعي لاستقراره، وحماية أسرته، واتخاذ القرارات الصعبة حين يتردد الآخرون.

ومن هنا فإن اختزال الأب في صورة الممول فقط ظلم واضح له. فالأب ليس مجرد مصدر دخل، بل هو أحد أعمدة البيت الكبرى، وقد يكون أكثر من يحمل أعباء الأسرة بصمت، وأكثر من يدفع من راحته ووقته وأعصابه من أجل أن تبقى أسرته مستقرة. نعم، الأم شريك أساسي وعظيم في بناء البيت، وفي الأمهات من الحكمة والقدرة ما يجعلها سندًا حقيقيًا للرجل، لكن ذلك لا يلغي أن الأب أيضًا يستحق أن يُرى بعين الإنصاف، لا بعين الاعتياد.

وإذا انتقلنا إلى جانب آخر، فسنجد أن المسألة لا تقف عند حدود التقدير المعنوي، بل تمتد إلى علاقة الأب بأبنائه، وخصوصًا في باب التربية والنصيحة. فكثير من الآباء يشتكون من أن أبناءهم لا يتقبلون نصائحهم كما ينبغي، وأنهم يسارعون إلى وصف الأب بأنه لا يفهم الجيل الجديد، أو أنه يفكر بعقلية قديمة، أو أن طريقته في النصح لم تعد مناسبة لهذا الزمن.

وهنا لا بد من الاعتراف بأن الزمن تغير فعلًا، وأن لكل جيل أدواته ولغته وطريقته في التفكير، لكن هذا لا يعني أن خبرة الأب أصبحت بلا قيمة، ولا أن خوفه على أبنائه صار مجرد مبالغة، ولا أن نصيحته أصبحت عبئًا يجب التخلص منه. فالأب لا يكرر نصائحه لأنه يحب فرض رأيه، بل لأنه يرى بعين التجربة ما قد لا يراه الابن بعين الحماس أو الاندفاع أو قلة الخبرة.

ولهذا يكرر كثير من الآباء عبارتهم المشهورة: إذا تزوجت وجبت أبناء ستعرف لماذا أقول لك هذا. وهي عبارة قد يراها بعض الأبناء مكررة، لكنها في حقيقتها تلخص شعورًا لا يعرفه الإنسان كاملًا إلا عندما يصبح مسؤولًا عن أسرة، ويجد نفسه خائفًا على أبنائه من كل شيء، يراقب تفاصيلهم، ويقلق على مستقبلهم، ويتدخل أحيانًا لأنه لا يريد لهم الوقوع في الخطأ الذي يعرف عاقبته.

المشكلة أن بعض الأبناء يريد من الأب أن يكون متفهمًا دائمًا، هادئًا دائمًا، موافقًا دائمًا، فإذا اعترض على تصرف، أو رفض قرارًا، أو كرر نصيحة، قيل عنه إنه لا يفهم الجيل، وأن تفكيره قديم. بينما الإنصاف يقتضي أن نقول: كما أن للأبناء حقًا في أن يُفهموا، فللآباء أيضًا حق في أن تُفهم مخاوفهم، وأن تُقدّر خبرتهم، وأن يُنظر إلى نصائحهم بوصفها جزءًا من محبتهم، لا جزءًا من رغبتهم في السيطرة.

إن الأب لا يحتاج إلى مناسبة عابرة بقدر ما يحتاج إلى إنصاف دائم في البيت، وفي نظرة أبنائه له، وفي الخطاب الاجتماعي الذي يتحدث عنه. يحتاج إلى أن يشعر أن تعبه مرئي، وأن خوفه مفهوم، وأن شدته في بعض المواقف لا تُفسَّر دائمًا على أنها قسوة، بل قد تكون لغة حب لا يعرف التعبير عنها بغير هذه الطريقة.

فالبيت لا يقوم بالأم وحدها، كما لا يقوم بالأب وحده، والعدل الحقيقي لا يكون في الانحياز لأحدهما على حساب الآخر، بل في فهم مكانة كل واحد منهما، وتقدير ما يقدمه، والاعتراف بأن الأب أيضًا يتعب ويخاف ويضحي ويستحق أن يُفهم ويُحترم ويُحتفى به، لا لأنه أقل من الأم أو أكثر منها، بل لأنه أحد الركنين اللذين لا يستقيم البيت بدونهما.

سيهات