آخر تحديث: 9 / 7 / 2026م - 9:16 م

نسيمة تعود إلى الجنة

الدكتور ماهر آل سيف *

بعض الأرواح لا تأتي إلى الدنيا لتُحاسَب، بل لتُهذّب القلوب وتُعلّمها الرحمة، ولا تنزل إلى الأرض لتأخذ منها، بل لتمنحها بركةً خفيّة، وسكينةً رضيّة، ورسالةً ربّانيةً نقيّة. يولد بيننا طفلٌ أو طفلة، وفي جسده ضعف، وفي حاله ابتلاء، غير أنّ قلبه أبيض من الفجر، وروحه أصفى من المطر، وكتابه — بإذن الله — أنقى من الثلج إذا انهمر؛ لا يحمل حقدًا، ولا يعرف مكرًا، ولا يطلب إلا حنانًا، ولا يعطي إلا بركةً واطمئنانًا.

هؤلاء ليسوا عبئًا على البيوت، بل هم أمانةٌ من الملكوت، وضيوفٌ من الجنة بين الجدران، يختبر الله بهم الرحمة في الإنسان؛ فمن احتواهم ارتقى، ومن خدمهم تزكّى، ومن صبر عليهم نجا واهتدى. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ? الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ? أُولَـ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . وما أعظمها من بشارة حين يكون الصبر حبًّا، والخدمة قربًا، والاحتضان عبادةً لا عادة.

بالأمس عادت إلى ربها شابةٌ طاهرة، كانت في بيتها بركةً ظاهرة، وفي وجوه أهلها رحمةً زاهرة، وفي قلوب من عرفها آيةً باهرة. لم تكن مجرّد ابنةٍ في بيت، بل كانت نورًا إذا حضر، وسكينةً إذا ذُكر، وسببًا لأن تلين القلوب وتخشع الصدور. كانت امتحانًا من الله، فكان أهلها — والحمد لله — أهلًا للأمانة، أوفياء في الرعاية، عظماء في الحنان، صادقين في الصبر والإحسان.

واليوم لا نبكيها وحدها، بل نبكي بركتها التي كانت تعمّ المكان، ونورها الذي كان يملأ الأركان، وطيبتها التي كانت تسري في الإنسان والجدران. غير أنّ عزاءنا أن الله أرحم بها منا، وأقرب إليها من أهلها، وأكرم بها من كل قلب أحبّها. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ؛ وأهلها أحسنوا، وصبروا، واحتسبوا، فنسأل الله أن يجعل إحسانهم نورًا، وصبرهم أجرًا، وفقدهم بابًا إلى الرضا والسرور.

يا راحلةً من دار الفناء إلى دار البقاء، يا زهرةً لم تذبل بل عادت إلى السماء، يا قطعةً من الجنة حلّت بنا ضيفة، ثم رجعت إلى جنةٍ كانت بها أليفة؛ سلامٌ عليكِ يوم وُلدتِ، وسلامٌ عليكِ يوم رحلتِ، وسلامٌ عليكِ يوم تُبعثين طاهرةً مطمئنة.

رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل قبرها روضةً يانعة، وجعلها شفيعةً لأهلها، وبركةً باقيةً في دارها، وذكرى لا تموت في قلوب من عرفها بصدقٍ ومحبة.

أبيات في وداعها:

يا قطعةً من جنان الخلد قد نزلتْ
تمشي على الأرض نورًا طاهرَ الأثرِ

ما كنتِ إلا أماناتٍ مكرّمةً
في بيتِ حبٍّ وفي أحضانِ من صبرِ

رحلتِ جسدًا وباقٍ في الديارِ سناكِ
كالعطرِ يبقى وإن غابت يدُ الزهرِ

عودي إلى اللهِ، فالفردوسُ منزلكِ
والأهلُ يرجون في لقياكِ حسنَ المقرِ

رحم الله من قرأ لروحها سورة الفاتحة