الوعي… الجسر الذي يعيد القلوب إلى بعضها
من أكثر المشاهد إيلامًا في مجتمعاتنا أن ترى إخوةً فرّقت بينهم كلمة، أو أرحامًا قطعتهم خصومة، أو أبناء عمومةٍ حالت بينهم الدنيا حتى أصبحوا غرباء، ثم تمضي السنوات وهم يظنون أنّ الوقت لا ينفد، وأنّ فرصة الصلح ستبقى مفتوحة إلى الأبد. لكنّ الحقيقة التي يكررها القرآن الكريم أنّ الحياة أقصر من أن تُستهلك في الخصومات، وأنّ الموت قد يسبق كل اعتذار.
والمؤلم أكثر، أنّ بعض تلك الخلافات لا تنتهي إلّا عند القبور، بل إنّ بعض الأقارب يحرم نفسه حتى من حضور جنازة أخيه أو قريبه، مع أنّ الموقف يقتضي أن يكون أول الواقفين وأقرب المعزّين. إنّها خسارة مضاعفة؛ خسارة للعلاقة في الحياة، وخسارة لفرصة الوداع بعد الموت.
هنا يأتي دور الوعي، لا بوصفه معرفةً ذهنية، بل باعتباره بصيرةً تجعل الإنسان ينظر إلى الأمور بمنظار الآخرة قبل الدنيا، وإلى دوام العلاقة قبل لحظة الانفعال.
لقد جعل القرآن الكريم إصلاح ذات البين من أعظم القربات، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]. فلم يكتفِ بوصف المؤمنين بالإخوة، بل ألزمهم بالمبادرة إلى الإصلاح، لأنّ بقاء الشقاق يهدد كيان المجتمع كله.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. فجاء التعبير عامًا ليشمل كل صور الصلح، سواء بين الزوجين، أو الأقارب، أو الأصدقاء، أو الشركاء، وكأنّ القرآن يريد أن يجعل الصلح منهجًا دائمًا لا حلًا مؤقتًا.
كما يحذّر القرآن الكريم من القطيعة التي تمزّق الأرحام، فيقول تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]. فالرحم ليست علاقة اجتماعية فحسب، بل ميثاق إلهي، وقطعها لون من ألوان الفساد في الأرض.
وجاءت روايات أهل البيت
لتؤكد هذا المعنى. فقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق
أنّه قال: ”صلاحُ ذاتِ البين أفضلُ من عامةِ الصلاة والصيام“. إنّها منزلة عظيمة؛ لأنّ إصلاح العلاقات يحفظ المجتمع، بينما تبقى العبادة أثرًا فرديًا إذا لم تنعكس على السلوك.
وعن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب
في وصيته المشهورة: ”صلاحُ ذاتِ البين أفضلُ من عامة الصلاة والصيام“، وهي وصية تكشف أنّ سلامة المجتمع مقدمة على كثير من النوافل، لأنّ الفرقة تهدم ما تبنيه الأعمال.
ومن أعمق صور الوعي أن يدرك الإنسان أنّ التنازل ليس هزيمة، وأنّ المبادرة بالسلام ليست ضعفًا، وأنّ الاعتذار لا ينقص من الكرامة شيئًا، بل يزيد صاحبه رفعة عند الله وعند الناس.
وتتجلى هذه الحقيقة بأبهى صورها في واقعة الطف. فعلى الرغم من أنّ الإمام الحسين بن علي
كان يعلم بما ينتظره، فإنّه لم يجعل المواجهة هدفًا، بل جعل الإصلاح غايته، وأعلن ذلك بقوله: ”إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا… وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي“. لقد بدأ مشروعه بالإصلاح قبل أن يبدأ بالمواجهة، وكأنّ الرسالة الخالدة تقول: إنّ أول طريق النجاة هو إصلاح الإنسان وعلاقاته.
بل إنّ الإمام الحسين
، حتى في ساعاته الأخيرة، لم يغلق باب العودة، وخاطب خصومه بالحجة والموعظة، ودعاهم إلى مراجعة ضمائرهم. وهذا درس بالغ العمق؛ فصاحب الوعي لا يقطع آخر خيط يمكن أن يعيد الإنسان إلى الحق، مهما اشتدت الخلافات.
ولو استحضر كل واحد منّا مشهد كربلاء، لأدرك أنّ الحياة أقصر من أن تُستهلك في الخصومات، وأنّ الإنسان سيقف يومًا بين يدي الله، لا ليسأل كم انتصر في خلافاته، بل كم أصلح، وكم عفا، وكم وصل رحمه.
إنّ الوعي الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان يسأل نفسه كل ليلة:
• لو كان هذا آخر يوم في حياتي، هل أرضى أن أبقى مخاصمًا لأخي؟
• وهل أتحمّل أن يسبقني أو أسبقه إلى القبر دون كلمة صفح أو مصافحة؟
ما أحوجنا إلى هذا الوعي؛ وعيٍ يطفئ نار الكِبْر قبل أن تحرق سنوات العمر، ويجعل من التسامح ثقافةً، ومن الاعتذار شجاعةً، ومن صلة الرحم عبادةً، حتى لا يأتي يوم يحمل فيه الناس نعش قريبهم، بينما يحملون معهم حسرة كلمةٍ لم تُقل، ويدًا لم تُمد، وقلبًا أصرّ أن يبقى بعيدًا حتى فرّق الموت بين الأحبة.













