حين كان الضمير طفلًا
في عام 1982 م، حين كنت طفلًا في الروضة، أتذكر أن أحد الأطفال صعد على إحدى الألعاب، ولأنني كنت شقيًا فقد أوقعته أرضًا رغم توسله لي. سقط وبكى كثيرًا، فجاءت المعلمة وضربتني على ظهري ثم حملته إلى غرفة المعلمات. بكى حتى تعب ونام، ولكنني ظننته قد مات. وفي طريق العودة بالباص كان نائمًا في حضن المعلمة، وكنت أسرق النظر إليه في رعب شديد، مقتنعًا أنني قتلت زميلي. وصلت البيت منكسر القلب، ولم أستطع الأكل ولا النوم تلك الليلة. قمت من فراشي ليلا وذهبت إلى الصالة، فوجدت أمي تشاهد مسلسل ”أصابع الزمن“. استغربت سهري، لكنني لم أقل لها شيئًا عن السر الثقيل الذي أحمله. وفي صباح اليوم التالي، عندما جاء باص الروضة، اكتشفت أن الطفل الذي ”قتلته“ بالأمس لم يمت. شعرت بفرح عظيم، فرح لم تغادر ذكراه قلبي رغم مرور عشرات السنين. كبرت كثيرًا، وسافرت كثيرًا، والتقيت أناسًا يحملون العلم والمكانة، لكنني رأيت من بينهم من ينام على أوجاع غيره دون أن يطارده خوف أو ندم. حينها أدركت أن المشكلة ليست أن يكبر الإنسان، بل أن يكبر كل شيء فيه إلا الضمير.
كانت ابنتي سلمى طفلة صغيرة، وكعادة الأطفال كانت تشاكس أحيانًا. لم يكن من طبعي يومًا أن أمد يدي على أحد أبنائي، لكن في لحظة غضب حدث ما لم أعتده من نفسي. مرّت سنوات ليست بالقليلة، ومع ذلك لا يزال ذلك المشهد يزورني في أحلام اليقظة؛ كيف جاز لي أن أفعل ذلك؟ كيف استطعت أن أجرح قلبًا صغيرًا كان يرى فيَّ مصدر الأمان؟ تمضي الأيام لأرى من اعتاد جرح القلوب، وإيذاء الآخرين في أعمالهم وأرزاقهم، بل والسخرية منهم في المجالس، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن. أدركت حينها أن القلوب تختلف فيما تتركه الأفعال داخلها؛ فمنها ما يشبه الإسفنج، لا يلامس الماء إلا ويحمله في أعماقه، ومنها ما يشبه الحجر، يبتل سطحه ويبقى داخله كما كان. وهكذا يمضي بعض الناس في إيذاء غيرهم، بقصد أو بغير قصد، دون أن يهتز لهم خاطر، بينما يحمل آخرون ألم كلمة قالوها أو موقف فعلوه، ويسارعون إلى طلب الصفح ممن ظنوا أنهم ظلموه.
لم تزل مسألة الضمير تحيّرني؛ هل هو صوت يولد معنا، أم مرآة تصنعها التجارب؟ يرى البعض أن الإنسان يحمل في داخله قاضيًا صامتًا يحاكمه دون حاجة إلى شهود، فهو الشاهد والمُقرّ، وهو الذي يعرف جيدًا متى خان قيمه وإن صفّق له العالم كله. ويرى آخرون أن الضمير كالوليد الصغير نربيه في داخلنا؛ إن أطعمناه الرحمة والتسامح كبر معهما وتطبّع بهما، وإن أهملناه مات وهو لا يزال في صدورنا. أما أكثر ما يثير دهشتي فليس وجود الخطأ؛ فالإنسان قد يضعف ويغضب ويزلّ، ولكن العجيب قدرة البعض على مصادقة أخطائهم؛ أن يؤلم إنسانًا ثم لا يسمع في داخله صوتًا يعاتبه، وأن يترك خلفه قلبًا مكسورًا ثم يكمل طريقه كأن شيئًا لم يحدث. ربما لهذا لا تُقاس إنسانية المرء بعدد الأخطاء التي لم يرتكبها، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما تُقاس بتلك المسافة الفاصلة بين الخطأ والندم. هناك من يظلم فيبحث عن مبرّر، وهناك من يظلم فيبحث عن صاحب الحق ليعتذر إليه. وبعد كل هذه السنوات، لم أعد أرى الضمير ذلك الصوت الذي يمنعنا دائمًا من السقوط، بل تلك اليد التي تمتد إلينا بعد السقوط لتقول لنا: انهض، أصلح ما أفسدت، ولا تسمح لقلبك أن يعتاد القسوة.













