آخر تحديث: 8 / 7 / 2026م - 8:49 م

أحداث واقعة الطف... حين تختلف الآراء

أ. د. حيدر أحمد اللواتي *

كثيرا ما تتجاذب المرويات التاريخية مناهج التحقيق ورؤى المؤرخين والعلماء، وهذا التجاذب نجده جليا في بعض الحوادث المرتبطة بعاشوراء؛ فبينما تقف الكثير من حقائقها على أرضيةٍ صلبة من الاتفاق والإجماع الذي لا يأتيه الشك، تظل هنالك تفاصيل وجزئيات أخرى تباينت حولها القراءات، وتعددت فيها الآراء، مما يضع المتلقي أمام سؤالٍ معرفي وأخلاقي ملحّ: كيف نتعامل مع هذه الاختلافات؟ وبأي رأي نأخذ حين تتضارب الآراء وتتناقض رؤى العلماء؟

إن القواعد المنهجية الرصينة تقتضي ابتداءً التفريق الحاسم بين الثابت والمتغير؛ فالحوادث التي انعقد عليها الاتفاق التاريخي تشكّل ركيزةً أساسية يلتزم الوعي الجمعي بالتمسك بها وعدم فتح أبواب التشكيك والتشظي حولها، أما الدوائر التاريخية التي وقع فيها الخلاف، فإن التعامل معها يتطلب حذرًا علميًا، ومرونةً فكرية، بعيدًا عن التشدد والتعصب إثباتًا أو نفيًا، فالمرونة المعرفية تتيح للعقل البشري أن يظل منفتحًا، مستعدًا لتعديل قناعاته وتطويرها متى ما ظهرت أدلة علمية جديدة، أو لاحت في الأفق قرائن داعمة أو مضادة.

في بعض المجتمعات، قد يواجه الفرد عند إبداء رأيه في هذا الشأن نقدًا لاذعًا من البعض، بدعوى أنه غير متخصص، وبالتالي لا يحق له طرح قناعاته حول الأحداث، بل يتوجب عليه حصرًا الصمت والانقياد التام والرجوع إلى العلماء، ولذا نجد بعضهم يحشد أقوال لعلماء ممن يدعم رأيه ويعرض عن الآخرين الذين لا يتفقون مع رؤيته، أو يحاول تأويل تلك الآراء المضادة بما يتفق ورأيه، بينما يتيه البعض الآخر وسط كل تلك الآراء المتناقضة، ومن هنا يبدوا أن الاتكاء على رأي العلماء لإثبات صحة منهج معين أو حادثة ما، لا يجدي لوحده نفعا.

إن منطق الرجوع إلى أهل الاختصاص والتحقيق أو العلماء، يغفل حقيقة معرفية هامة؛ فالرجوع إلى المختص أو العالم لا يعني أبدًا تعطيل العقل أو الامتناع التام عن تكوين رأي خاص حول الموضوع، بل معناه الحقيقي هو الاطلاع الفاحص على آراء أهل الذكر والاستئناس بأدلتهم ومناهجهم، وفي نهاية المطاف، وعندما تتباين آراء أهل الاختصاص أو العلماء أنفسهم ويتوزعون بين الإثبات والتشكيك والنفي، يجد الإنسان نفسه أمام مسؤولية عقلية وأخلاقية تحتم عليه فرز تلك الأقوال واتخاذ موقف ورأي يطمئن إليه منها، إذ لا يمكن للمرء أن يعيش في فراغ معرفي حيال قضايا تمس فكره ووجدانه، ولا شك وأن حادثة عاشوراء تمس وجدان الفرد الموالي لأهل البيت عليه بصورة منقطعة النظير، ويظل القرار المعرفي الأخير مسؤوليةً ذاتية يتحملها الفرد نفسه.

ومن المهم التأكيد أن غياب التخصص الدقيق لدى الفرد لا يعني انسداد سبل الفحص؛ إذ يمكن للفرد العادي أن يتبين مدى سلامة المنهج الذي يسلكه الباحث والمحقق عبر أدواتٍ منطقية عامة وقواعد عقلية بديهية، تمامًا كما هو الحال في العلوم الطبيعية حيث يمكن للمرء أن يتلمس مواطن الخلل في دراسةٍ علمية بمجرد النظر الفاحص إلى حجم العينة ومدى تمثيلها.

وفي هذا الإطار الفكري، يبرز نموذج ”عرس القاسم بن الحسن - -“ كدليل واضح على خلل المنهج القائم على معضلة التفرد والتباعد الزمني؛ حيث يعتمد الباحث في إثبات واقعةٍ قديمة على روايةٍ وحيدة تفرّد بنقلها بعض المتأخرين خلال القرن الحادي عشر الهجري، أي بعد أكثر من ألف عام على الواقعة ودون سندٍ متصل، مع إعراض سائر الأمهات التاريخية المتقدمة والموثوقة عن ذكرها.

ويتشابه هذا الخلل المعرفي مع نموذج تطبيقي آخر يتجلى في ميزان الدعاوى الخارقة والقرائن المكافئة؛ إذ تقضي القواعد العقلية بأن الأمور الخارقة للعادة والكونية تتطلب أدلة داعمة قوية ومستفيضة تكافئ حجم الحادثة وضخامتها، وعلى هذا الميزان، لا يمكن قبول ما ادعاه بعض المتأخرين وتفردوا بنقله في القرن الثالث عشر الهجري من أن يوم عاشوراء استطال ومدّ زمانه حتى صار اثنان وسبعون ساعة؛ إذ إن حدثًا كونيًا بهذا الحجم المرعب لو صح وقوعه، لكان حديث العالم بأسره في الشرق والغرب، ولدُوِّن في سجلات المؤرخين المعاصرين له عبر الأمم كافة، ولمَا جاز عقلاً أن ينفرد بنقله عالم واحد بعد قرون متطاولة دون دليل موازٍ لحجم الادعاء، وهو أمر بديهي لا يحتاج المرء إلى تخصص عميق ليفهم بطلانه.

إن التمسك بمثل هذه الروايات الواهية والمنقطعة يكشف بوضوح عن ضعفٍ بنيوي في المنهج العلمي لمن يصر على إثباتها، وهو أمرٌ يمكن للإدراك السليم تمييزه بمجرد تفعيل قواعد المنطق.

وقد يتساءل البعض كيف يمكن لمحقق بارع وعالم كبير أن يقع في مثل هذه المغالطات المنطقية؟ والجواب ربما يكمن في تحد يواجه الباحث عادة في مختلف المجالات لكنه تحد يبرز بصورة أكبر فيما يتعلق بعاشوراء ويتمثل هذا التحدي في سطوة البُعد العاطفي ومحاولة إثبات الحوادث لمجرد جاذبيتها الوجدانية وملاءمتها للمشاعر الجياشة، إن الاستسلام لضغط العاطفة يعمي البصيرة المنهجية، ويجعل النفس البشرية تميل لتصديق كل ما يغذي لوعتها وشجونها دون تمحيص، وهو أمرٌ بالغ الخطورة يتعين علينا الانتباه إليه والأخذ به في ميزان التقييم؛ إذ لا يجوز أن تُستبدل الصرامة العلمية بالميول الوجدانية، يقول الشيخ عباس القمي في كتابه منتهى الآمال «وأضحى جماعة من ذاكري المصائب لا يتورعون عن اختراع وقائع مبكية وكثر اختراع الأقوال منهم واعتبروا أنفسهم ممن يشملهم الحديث «من أبكى فله الجنة» وشاع هذا الكلام الكاذب مع الأيام حتى صار يظهر في مؤلفات جديدة، واذا حاول محدث مطلع أمين منع هذه الأكاذيب نسبوها إلى كتاب مطبوع أو كلام مسموع أو تمسكوا بقاعدة التسامح في أدلة السنن... كجملة من الوقائع المعروفة التي ضبطت في الكتب الجديدة في حين انه لا عين ولا أثر لهذه الوقائع عند أهل العلم والحديث كعرس القاسم في كربلاء...»، والملاحظ أن عالم ومحقق كبير كالقمي لا يشكك بتلك الحوادث فقط بل يصفها بأنها كاذبة ومخترعة لا أصل لها.

إن أي إنسان له الحق في البحث عن المسائل التاريخية التي تهمه، وله الحق أن يستقر على قناعاتٍ معينة تتماشى مع وعيه، وظروفه الشخصية، ومستوى اطمئنانه الفكري، لكن النضج الإنساني يتجلى فيه عندما يقر بأن طبيعة الأدلة التاريخية المتاحة قد لا تفضي دائمًا إلى معرفةٍ جازمة أو نتائج قطعية لا تقبل الجدل في كل الجزئيات، وإذ يختار المرء لنفسه سبيلاً يرتضيه، فإن من مقتضيات الإنصاف والتعايش المعرفي تذكّر أن للآخرين كامل الحق في التشكيك في تلك القناعات، وفي عدم مشاطرته إياها وعدم الالتزام بتبعاتها كأحيائها والاحتفاء بها، ليظل الاختلاف ساحةً لإثراء الفكر لا لإفساد الود.

بروفيسور في الكيمياء وأكاديمي بجامعة السلطان قابوس
كلية العلوم - جامعة السلطان قابوس