آخر تحديث: 8 / 7 / 2026م - 8:49 م

في وحدة الطينة ووهم الضفتين

المختار موسى بوخمسين

لعمري، إن الناظر في أسفار الأقدمين وتواريخ الملوك، ليعجب من عقولٍ توهمت أن بحر إيجة [1]  قد شطر الأرض نصفين، فجعلت من بلاد الإغريق جزيرةً نائيةً انبجست من العدم، لتواجه ظلمات الشرق، وتدفع عن حياضها جحافل آسيا. وما علموا أن تلك الديار ما كانت يوماً إلا الضفة القصوى لبحيرة الشرق العظيمة، وأن ماءها وطينتها وعمارتها ما هي إلا فيضٌ فاض من أكناف الرافدين، وساحل الشام، ووادي النيل.

فليت شعري، كيف ينكرون هذا، وأساطيرهم الأولى تنطق به؟ ألم يقم ”قدموس“ الفينيقي، سليل كنعان، ليضرب في الأرض حتى بلغ قلب اليونان، فأسس حاضرة ”طيبة“ العظيمة؟ لم يجئ قدموس فاتحاً بسيفٍ مسلول، بل جاء زارعاً. فنثر حروف الأبجدية المشرقية في أرضهم لتنبت عقولاً تقرأ وتكتب. وما النور القدموسي الذي يتغنون به، إلا شهادةٌ لا تُمحى بأن النطق الإغريقي قد تبلل بريق الشام، وأن حضارتهم قد رُضعت من ثدي الفرات والنيل.

وإن يمّموا وجوههم شطر ”إيليون“ «طروادة»، وقرأوا ما أنشده هوميروس في ملاحمه، فلا ينبغي لعاقلٍ أن يرى في تلك الحروب صداماً بين عالمين يتناكران. إنما هي شقاقات سفكت دماء الدار الواحدة، وحروبٌ بين أبناء الحوض المشترك. لقد كانت ضفتا المضيق تتنفسان هواءً واحداً، وتشتركان في معبوداتٍ وطقوسٍ متقاربة. وما كان العبور الآخيّ لأسوار طروادة غزواً لعالمٍ غريب، بقدر ما كان نزاعاً على ميراثٍ متصل الأمشاج، تقاطعت فيه الأنساب، وامتزجت فيه الدماء، وتوحدت فيه المكائد.

ثم لينظروا شطر الجنوب، إلى وادي النيل الذي تفيض منه الحكمة كلما فاض ماؤه. فهل قامت لليونان قائمةٌ في أعرافها ونظمها الأولى لولا مصر؟ إن أقدم أساطيرهم تخبرهم عن «دانائوس» ثم «ديونيسوس»، وهما وإن تقاربت أسماؤهما في لفظ الإغريق، فلا رابط في الأنساب بينهما.

فأما الأول، فقد شق عُباب البحر بمراكبه هارباً من مصر، ليرسي دعائم الملك والعمران في ”آرجوس“ [2] . بل إن ملوكهم يعلمون علم اليقين، أن حكماء أثينا ومشرعيها لم يشتد عودهم إلا بعد أن شدوا الرحال إلى حواضر الفراعنة. فهذا ”صولون“ يقف تلميذاً متواضعاً بين يدي كهنة ”صاو“ [3]  لينسخ من شرائعهم ما يقيم به أود مدينته، وهذا ”فيثاغورث“ يغترف من علوم الهندسة والفلك في أروقة معابدهم. فمصر كانت الرحم الخفي الذي غذّى حواضرهم قبل أن تنطق منابرهم بالفلسفة.

وأما الثاني، فأمره يضحك الأم الثكلى من فرط جلاء وحدة المنشأ! فقد ارتضى الإغريق أن يتخذوا أميراً فينيقياً - هو حفيد قدموس الكنعاني نفسه - معبوداً لهم. ولم يكتفوا بأن نحتوا له الأوثان وشيدوا له المزارات، بل رفعوا من شأنه ليكون في مصاف كبار آلهتهم المتوجين على قمة جبل الأولمب.

وإن أنكر مكابرٌ فضل كنعان ومصر، فليقرأ في صحائف الأيام ما سُطر في ”الأنباسة“ [4]  «حملة الزحف نحو الداخل». يوم أن توغل عشرة آلافٍ من جند الإغريق في قلب الإمبراطورية الفارسية المترامية، وصولاً إلى مشارف بابل العظيمة. لقد سار هؤلاء الرجال في تخوم الشرق ولم يكونوا فيها كالأغراب التائهين؛ بل استظلوا بنظم فارس، وعاشوا في قلب حامياتها، وتعرفوا على مسالك أقاليمها ودواوين إدارتها، وخدموا أمراءها مرتزقةً وحلفاء. لقد أثبتت الأنباسة أن العسكرية اليونانية لم تكن بمعزلٍ عن العسكرية الفارسية، بل كانت تتشرب من أساليبها، وتقتبس من هندسة جيوشها.

فالحق أقول: إن ما تتباهى به اليونان من شرائع، وأبجديات، وتكتلٍ للجيوش، ما هو إلا إرثٌ انتقل من الشرق، فتهذّب في قوالب جديدة. ولم يكن اصطدام الجيوش لاحقاً إلا اصطداماً بين فروع الشجرة الواحدة، يوم طغت بعض الأغصان على أصلها المكين.

خُطَّ بالآرامية، بقلم: إيتانس بن خِشيار الصُّغدي.

امتثالاً لأمر مولاي العدناني، يوم أن بلغتُ أشدّي واستويتُ على سُلم الأربعين. فجعل أمري هذا مَقامَ تخلٍّ وتحلٍّ، أخلع فيه عني درع الجندية المقدونية الفانية، لأتحلى بسدانة الحرف الباقية.. إيذاناً ببدءِ نفير الذاكرة واسترجاعاً لما نسي من كلم الميثاق.

ووافق الفراغ منه: في السَّنة الثامنة من زحف سلوقس واسترداده لبابل، وهو ذات العام الأوّل الذي توّج فيه بطليموس نفسه فرعوناً على ديار مصر، ليمزقوا هم إرث الفتى المقدوني صراعاً على الذهب، ونجمع نحن إرث الأوتاد حفظاً للعهد. «304 ق. م.»

* هذه خاطرة روائية من عمل روائي يشتغل الكاتب على تأليفه بعنوان ”كلمات إيل“.

[1]  البحر الفاصل بين اليونان وتركيا الحديثة، وهو البحر الذي تنتشر فيه جزر اليونان التي تربو على 1200 جزيرة

[2]  هي إحدى أقدم مدن أوروبا المأهولة باستمرار، وتقع في شبه جزيرة البيلوبونيز باليونان. كانت مركزًا رئيسيًا وموئلاً للأبطال في الأساطير اليونانية القديمة وملاحم هوميروس.

[3]  صان الحجر في دلتا النيل.

[4]  كتاب الأنباسة للمؤرخ العسكري اليوناني زينوفون «نحو 430-354 ق. م»، هو مدونة تاريخية وسيرة ذاتية عسكرية تؤرخ للرحلة العسكرية لجيش ”العشرة آلاف“ من المرتزقة اليونانيين في طريق عودتهم بعد مشاركتهم الفاشلة في الحروب الأهلية الفارسية عام 401 ق. م.