آخر تحديث: 7 / 7 / 2026م - 9:06 م

وصايا الإمام الحسين (ع) في تهذيب اللسان وبناء الشخصية

تُعد كلمات الإمام الحسين مدرسةً متكاملة في صناعة الإنسان، فهي لا تقتصر على بيان الأحكام أو المواعظ العامة، وإنما تغوص في أعماق النفس الإنسانية، وتضع لها قواعد عملية تضبط الفكر واللسان والسلوك والعلاقات الاجتماعية. ومن أروع هذه الوصايا ما أوصى به عبد الله بن عباس، حيث قال:

”يَا ابْنَ عَبّاس! لا تَكَلَّمَنَّ فيما لا يَعْنيكَ فإِنَّني أَخافُ عَلَيْكَ فيهِ الْوِزْرَ، وَلا تَتَكَلَّمَنَّ فيما يَعْنيكَ حَتّى تَرى لِلْكَلامِ مَوْضِعاً، فَرُبَّ مُتَكَلِّم قَدْ تَكَلَّم بِحَقّ فَعيبَ، وَلا تُمارِيَنَّ حَليماً وَلا سَفيهاً، فَإِنَّ الْحَليمَ يُقْليكَ، وَالسَّفيهَ يُرْديكَ، وَلا تَقُولَنَّ في أخيكَ الْمُؤْمِنِ إِذا تَوارى عَنْكَ، إِلاّ مِثالَ ما تُحِبُّ أَنْ يَقُولَ فيكَ إِذا تَوارَيْتَ عَنْهُ، وَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُل يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالإِْجْرامِ مَجْزِيٌ بِالاِْحْسانِ، وَالسَّلامُ.“ [1] 

وفي بحار الأنوار: «يؤذيك» بدل «يرديك» [2] 

هذه الوصية ليست مجموعة من النصائح المتفرقة، بل هي منهج متكامل لبناء شخصية المؤمن، يبدأ بإصلاح الكلمة، ثم إصلاح العلاقة مع الآخرين، وينتهي باستشعار المسؤولية أمام الله تعالى.

إضاءات لغوية:

المُماراة: ”المُجَادَلَةُ على مَذْهَبِ الشَّكِّ والرِّيبَةِ.“

القِلى: شِدّة البُغض، يقال: قلاهُ يَقليهِ ويَقلوهُ.

الرّدى: الهلاك.

اللسان أخطر جوارح الإنسان:

بدأ الإمام الحسين بالتحذير من الكلام فيما لا يعني الإنسان، فقال:

«لا تكلمن فيما لا يعنيك، فإني أخاف عليك فيه الوزر.»

فالإنسان قد يظن أن الكلام أمر يسير، بينما يجعله القرآن الكريم من أخطر الأعمال، قال تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . [3] 

إن كثيراً من المشكلات الأسرية والاجتماعية والإعلامية إنما تبدأ بكلمة، ولذلك كان ضبط اللسان من أعظم علامات كمال الإيمان.

فالمؤمن لا يجعل لسانه يتدخل في كل قضية، ولا يخوض في كل نقاش، ولا ينشغل بأخبار الناس وخصوصياتهم، بل يسأل نفسه قبل أن يتكلم:

هل هذا الكلام ينفع؟ وهل يرضي الله؟ وهل أنا مسؤول عنه يوم القيامة؟

ليس كل حق يقال في كل وقت:

ثم ينتقل الإمام إلى مرتبة أرقى فيقول:

«ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعاً.»

وهذه من أعظم قواعد الحكمة.

فليس كل كلام صحيح يكون مناسباً لكل زمان ومكان، فقد يكون الكلام حقاً، ولكن توقيته خاطئ، أو أسلوبه غير مناسب، أو مكانه غير ملائم.

ولهذا قال الإمام:

«فرب متكلم قد تكلم بحق فعيب.»

أي أن المشكلة ليست دائماً في مضمون الكلام، وإنما في طريقة عرضه، أو في توقته، أو في الظروف المحيطة به.

وهذا يعلمنا أن الحكمة ليست معرفة الحق فقط، وإنما معرفة متى وكيف ولمن يقال.

اجتناب المراء والجدال:

ومن أعظم أسباب فساد القلوب كثرة الجدل، لذلك قال الإمام:

«ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً.»

فالجدال مع الحليم يؤذي العلاقة معه، وربما أورث الجفاء، لأن الحليم يكره كثرة الخصومات، أما السفيه، فلا يزداد بالجدال إلا إساءةً وعناداً.

ولهذا قال:

«فإن الحليم يقليك، والسفيه يرديك.»

أي أن الأول قد يبتعد عنك، والثاني قد يوقعك في المهالك.

ولهذا كان أهل البيت يدعون إلى الحوار الهادئ، لا إلى الجدل العقيم.

الأخلاق الحقيقية تظهر في غياب الناس:

ثم يضع الإمام قاعدة ذهبية في العلاقات الاجتماعية:

«ولا تقولن في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا مثل ما تحب أن يقول فيك إذا تواريت عنه.»

إنها القاعدة التي تبني الثقة داخل المجتمع.

فالإنسان قد يحسن الكلام أمام الآخرين، لكن امتحان الأخلاق الحقيقي يكون عند غيابهم.

هل تحفظ كرامتهم؟ هل تدافع عنهم؟ هل تمنع الغيبة عنهم؟ أم تتحول المجالس إلى ساحات للطعن والانتقاص؟

لقد اختصر الإمام ذلك كله في ميزان واحد:

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وتحدث عنهم كما تحب أن يتحدثوا عنك.

ميزان العدل مع النفس:

هذه الوصية تدعو الإنسان إلى أن يجعل نفسه معياراً في التعامل مع الآخرين.

فالذي لا يرضى أن تُكشف عيوبه، لا ينبغي أن يكشف عيوب الناس.

والذي يحب أن يُذكر بخير، ينبغي أن يذكر الآخرين بخير.

وهذا هو التطبيق العملي لقول النبي ﷺ:

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» [4] 

استشعار المسؤولية أمام الله:

وتختم الوصية بقاعدة تربوية عظيمة:

«واعمل عمل رجل يعلم أنه مأخوذ بالإجرام، مجزي بالإحسان.»

وهذه العبارة تختصر فلسفة الرقابة الذاتية.

فالمؤمن يعيش بين أمرين: الخوف من التقصير، لأنه يعلم أن الله سيحاسبه على الذنوب، والرجاء في رحمة الله، لأنه يعلم أن كل إحسان محفوظ عند الله.

فلا يغتر بطاعته، ولا يقنط بسبب ذنبه، وإنما يجمع بين الخوف والرجاء.

مدرسة في بناء الشخصية:

لو تأملنا هذه الوصية لوجدنا أنها تبني الإنسان من الداخل عبر خمس دعائم:

• ضبط اللسان.

• الحكمة في اختيار الوقت والأسلوب.

• ترك الجدل العقيم.

• حسن الظن بالمؤمنين وصيانة أعراضهم.

• استحضار المسؤولية أمام الله في كل قول وعمل.

ولهذا فإنها ليست وصية تخص ابن عباس وحده، وإنما هي برنامج تربوي لكل مؤمن يريد أن يسمو بأخلاقه.

تطبيقات معاصرة لهذه الوصية:

تزداد أهمية هذه الكلمات في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح كثير من الناس يكتبون ويعلّقون ويشاركون الأخبار دون تثبت أو حاجة، وربما خاضوا في شؤون الآخرين أو دخلوا في جدالات لا ثمرة لها. ولو جعل الإنسان وصية الإمام الحسين ميزانًا قبل كل تعليق أو منشور، لسأل نفسه:

هل يعنيني هذا؟ وهل الوقت مناسب؟ وهل في كلامي نفع؟ وهل أرضى أن يُقال عني مثل ما سأقوله عن غيري؟ عندها ستصبح وسائل التواصل منابر للخير لا ساحات للخصومة.

الرسالة الذهبية:

إن الإمام الحسين لم يكن يربي أصحابه على كثرة الكلام، بل على جودة الكلمة، ولم يكن يدعو إلى الانتصار في الجدل، بل إلى الانتصار على النفس، ولم يكن يبني مجتمعاً يكثر فيه اللوم، بل مجتمعاً يحفظ فيه الناس ألسنتهم وكرامتهم.

فما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل هذه الوصية دستوراً في بيوتنا، ومجالسنا، وأعمالنا، ووسائل تواصلنا؛ لأن صلاح اللسان مفتاح صلاح القلب، وصلاح القلب أساس صلاح الإنسان، ومن حفظ لسانه، وحسن خلقه، واستشعر رقابة الله، كان أقرب إلى سيرة الإمام الحسين ، ونال ثمرة هذه التربية المباركة في الدنيا والآخرة.

[1]  جواهر الحكمة للإمام أبي عبد الله الحسين ، محمد الريشهري، ص 374، مسند الإمام الحسين ، ج 3، الشيخ عزيز الله عطاردي، ص 288، من أخلاق الإمام الحسين ، عبد العظيم المهتدي البحراني، ص 125، موسوعة أحاديث أهل البيت ، ج 12، الشيخ هادي النجفي، ص 162، موسوعة الإمام الحسين «تاريخ امام حسين ع»، ج 23، مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية، ص 590، موسوعة الإمام الحسين في الكتاب والسنة والتاريخ، ج 9، محمد الريشهري، ص 318، موسوعة كلمات الإمام الحسين ، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم ، ص 899، موسوعة الإمام الحسين في الكتاب والسنة والتاريخ، ج 9، محمد الريشهري، ص 318

[2]  بحار الأنوار: ج 78 ص 127

[3]  [ق: 18]

[4]  المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج 3، الفيض الكاشاني، ص 404، صحيح البخاري، ج 1، البخاري، ص 9
استشاري طب أطفال وحساسية