حين تضخمت رغباتنا
من الإنصاف أن نعترف بأن العالم كله يمر بمرحلة اقتصادية ضاغطة. الأسعار لم تعد كما كانت، وتكاليف المعيشة ارتفعت، والالتزامات اليومية أصبحت أكثر حضورًا وثقلًا في حياة الناس. لكن الإنصاف نفسه يطلب منا ألا نلقي بكل أعبائنا على شماعة التضخم، وكأننا أبرياء تمامًا من الطريقة التي نعيش بها، والقرارات التي نتخذها، والصورة التي نحاول أن نحافظ عليها أمام الآخرين.
المشكلة لا تبدأ دائمًا من ارتفاع الأسعار، بل من اتساع المعنى الذي نعطيه لكلمة ”ضرورة“. لقد تبدلت القواميس بصمت. ما كان يُعدّ بالأمس كماليًا أصبح اليوم جزءًا من الحياة العادية، وما كان يُنظر إليه بوصفه ترفًا صار عند البعض مطلبًا لا يقبل التأجيل. لم يعد السؤال في كثير من الأحيان.. ماذا أحتاج فعلًا؟ بل أصبح.. ماذا يليق بالصورة التي أريد أن أظهر بها؟
هنا يتسلل الخلل. فالإنسان لا يشتري دائمًا لأنه محتاج، بل لأنه خائف أن يبدو أقل من غيره، أو أن يكون خارج الإيقاع، أو متأخرًا عن موجة الحياة الجديدة. يستبدل هاتفًا يعمل بكفاءة لأن السوق أوهمه أن الكفاءة وحدها لا تمنح الشعور بالمكانة. ويختار سيارة تفوق حاجته لأن المركبة لم تعد عند البعض وسيلة انتقال فحسب، بل تحولت إلى بطاقة تعريف اجتماعية. ويدخل مطعمًا لا لأن الجوع قاده إليه، بل لأن التجربة تستحق أن تُرى قبل أن تُذاق.
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي اقتصادًا موازيًا غير معلن، اقتصادًا يقوم على الانطباعات. نرى سفر الآخرين ولا نرى قلقهم المالي. نرى مقتنياتهم ولا نرى أثمانها المؤجلة. نرى صور الراحة ولا نرى التعب الذي دفع ثمنها. ومع ذلك نقارن حياتنا اليومية، بكل تفاصيلها الثقيلة، بلحظات منتقاة بعناية من حياة الآخرين، ثم نستغرب لماذا تتكاثر الضغوط من حولنا.
الحقيقة أن الرغبات لدى البعض تضخمت حتى صارت تسبق الإمكانات بخطوات طويلة، وتضخم مفهوم الحياة الكريمة حتى صار يطلب من الإنسان أن يعيش فوق طاقته كي لا يشعر بالنقص. لذلك فإن الرغبة لا تهدأ مهما تحقق منها، لأن عين المقارنة أوسع من كل ما نملك، ولأن النفس حين تتربى على ملاحقة الآخرين لا تصل بسهولة إلى نقطة رضا.
لا أحد يدعو إلى حياة جافة خالية من المتعة، ولا إلى تقشف يحوّل المال إلى مصدر قلق دائم. فالحياة الطيبة ليست في حرمان النفس، كما أنها ليست في مطاردة كل رغبة عابرة. الحكمة أن نعرف الفرق بين ما يضيف إلى حياتنا قيمة حقيقية، وما يضيف إلى صورتنا بريقًا مؤقتًا ليس إلا. فليست كل متعة إسرافًا، لكن كل متعة تُشترى على حساب الاستقرار تتحول مع الوقت إلى عبء أنيق لا يُحتمل.
إن طريقة تعاملنا مع المال تكشف مستوى وعينا أكثر مما تكشف حجم ما نملك. فمن لا يعرف أولوياته سيظل يشعر بالعجز مهما اتسعت إمكاناته، ومن يربط قيمته بما يظهر عليه سيظل محتاجًا إلى المزيد كي يشعر أنه حاضر في أعين الناس. أما الإنسان المتزن، فهو لا يسأل.. هل أستطيع الحصول على هذا الشيء؟ بل يسأل.. هل يستحق أن أتنازل من أجله عن راحتي وطمأنينتي؟
ربما يكون السؤال الأصدق ليس.. لماذا تضيق علينا الحياة؟ بل.. أي حياة نحاول أن نصنعها لأنفسنا؟ حين نتحرر من الحاجة إلى إبهار الآخرين، نكتشف أن جزءًا كبيرًا من أزماتنا لم يكن في تضخم الأسعار وحدها، بل في كثرة الأبواب التي فتحناها لرغباتنا كي تتكاثر. فالتضخم الاقتصادي واقع لا ننكره، أما تضخم الرغبات فهو امتحان داخلي لا ينجو منه إلا من امتلك شجاعة أن يعيش حياته كما يحتاجها، لا كما ينتظر أن يراها الناس.













