ماذا يُخفي بائع الذهب؟
مهنة بيع الذهب هي من المهن القديمة التي ما زال بريقها يلمع في كل المجتمعات، فأثر هذه المهنة لا ينحصر في الجانب التجاري القائم على حجم الأرباح أو مقدار الخسائر، بل يتعدى إلى أبعاد أخرى اجتماعية وإنسانية ودولية أيضًا.
هناك صورة ذهنية عن تجارة الذهب بأنها مقتصرة على طبقة من تجار الذهب يتوارثها أبناؤهم جيلًا بعد آخر، بالرغم من أن هناك صورة أخرى مغايرة كنا نراها في السابق بوضوح، حيث كنا نشاهد أشخاصًا لا تبدو عليهم آثار الثروة يجوبون الأحياء السكنية ينادون ”ذهب عتيق“ كي تسمعهم ربات البيوت اللاتي يردن بيع ذهبهن، وتتم عملية التفاوض والبيع والشراء أمام أبواب المنازل. تلك المناداة ”ذهب عتيق“ لا تختلف عن الطريقة التي نراها اليوم في الأحياء السكنية من الذين يمتهنون إصلاح الشبابيك.
في جزيرة تاروت كان هناك محلان اثنان لصياغة وبيع الذهب، الأول في حي الديرة التاريخي، والآخر في الشارع العام وسط السوق. كان لكل منهما ميزاته. ومن ميزات المحل الآخر أنه أحدث وتنظيمه أكثر احترافية بمقاييس تلك الفترة. لكن تميزه هذا جلب له مشكلة شبه يومية، إذ ظل صاحب المحل يعاني من تصرفات بعض الأطفال الذين يصطفون ويمرحون حول واجهة المحل الزجاجية التي يعرض فيها الأساور والحُلي، وكان اصطفافهم مصدر إزعاج ويعيق حتى من يريد الدخول أو الخروج من المحل، ولا تنفك هذه المشكلة إلا بخروج صاحب المحل لهم، فيخاف الأطفال ويهربون ولا يبقى سوى بصمات أصابعهم على تلك الواجهة الزجاجية التي كانت نظيفة. أحببت أن أدوّن هذه القصة لتبيان نموذج من سعة صدر بائع الذهب هذا رحمه الله، فأمام هذه المشكلة التي يواجهها بشكل شبه يومي لم يفعل شيئًا سوى إخافتهم بالخروج من المحل كي يهربوا ويتخلص من أذاهم المتكرر.
تاجر الذهب هو بنك اجتماعي غير رسمي، وكيان من الثقة مرتبط بمنظومة من القيم الإنسانية، فهو يزن ويتفحص ويرشد، وكذلك يمارس دور الناصح والمستشار والأمين على أسرار وثروات الناس، إضافة إلى الصفات الأخرى التي يجب أن يتمتع بها مثل: التفقه في البيع والشراء ولين الجانب وسعة الصدر.
من القصص الملهمة التي قرأتها والتي تؤكد على أن محل الذهب هو مكان ستر وجبر خاطر وصناعة مواقف تُروى للأجيال، قصة حدثت في إحدى الدول المجاورة، إذ ذهب شاب لمحل ذهب وأخبر البائع بأنه غدًا سيأتي مع خطيبته وأمها وطلب منه ألا يعرض عليهم شبكة تزيد عن مبلغ محدد لأنه لا يستطيع دفع أكثر من ذلك المبلغ. وافق البائع، وفي اليوم التالي اختارت الفتاة وأمها شبكة أغلى بكثير، فباعها لهم بالسعر الذي حدده الشاب فقط، ووعدهم بتوصيلها للبيت بعد ”تلميعها“. بعد سنوات، توفي البائع فحزن الشاب حزنًا عظيمًا متذكرًا موقفه بأنه كان السبب في إتمام زواجه، لا سيما أنه علم بعد زواجه أن سعر الشبكة الحقيقي كان أكثر من ضعف المبلغ الذي دفعه. وعندما أخبر زوجته، بكت أيضًا وبشكل أثار استغرابَه، فأخبرته أن البائع أوصل الشبكة لبيتهم بنفسه وأعطى أمها مبلغًا كبيرًا، قائلًا إنه أجرة عمل زوجها المتوفى، مع علمها أن زوجها لم يعمل لديه أبدًا، لكن حاجتها جعلتها تقبل وتأخذ المبلغ.
الذهب ليس مهنة خاصة بطبقة معينة من التجار وشيوخ المهنة فقط، بل الذهب اليوم يبحث عن رواد الأعمال الذين يبحثون عن فرص مميزة لمستقبل أكثر إشراقًا محفوفًا بالسمعة والمكانة الاجتماعية وقدرة أفضل على خدمة المجتمع، فمن يبيع الذهب هو صانع للفرح والأمان ومساهم في التنمية المحلية.













