العمر للتسعين يركض مسرعًا والروح باقية على العشرين
في كل مرة أنظر فيها إلى من تقدمت بهم الأعمار، أزداد يقينًا بأن السنوات ليست هي التي تحدد عمر الإنسان الحقيقي؛ فالزمن يمضي بسرعة لا يستأذن أحدًا، وكلما التفتنا إلى الخلف وجدنا أن محطات كثيرة أصبحت مجرد ذكريات، لكن الغريب أن الروح لا تسير بالسرعة نفسها؛ فهي تبقى متمسكة بما تحب، وتفرح بما اعتادت أن تفرح به، وكأنها لا تعترف بالأرقام، ولا تكترث لما يقوله العمر.
قد يتغير الشكل، ويغزو الشيب الشعر، وتثقل الخطوات قليلًا، لكن القلب يبقى كما هو؛ يشتاق، ويفرح، ويحلم، ويبتسم عندما يجد وجهًا محبًا، أو كلمة صادقة، أو لحظة صفاء؛ ولذلك نرى من تجاوز التسعين وما زال حضوره يبعث الطمأنينة في من حوله، ويمنحهم الأمل بابتسامة لا تعرف الشيخوخة.
علمتني الحياة أن الإنسان لا يشيخ حين يتقدم به العمر، وإنما حين يفقد شغفه، ويغلق قلبه أمام الفرح، ويتوقف عن استقبال الأيام بروح راضية؛ فمن بقي في قلبه متسع للأمل بقي شابًا مهما أثقلت السنوات كتفيه، ومن فقد دهشته بالحياة شاخ وإن كان في أول الطريق.
أجمل ما في العمر أنه يمنحنا الحكمة، وأجمل ما في الروح أنها ترفض أن تتخلى عن نقائها؛ فتظل ترى في كل صباح فرصة جديدة، وفي كل لقاء دفئًا، وفي كل ذكرى حياة جديدة. لذلك يبقى الإنسان في أجمل حالاته حين يجمع بين حكمة السنين وخفة الروح، فيعيش عمره كله وهو يشعر أن في داخله ذلك الشاب الذي لا يزال يرى في الحياة ما يستحق أن يبتسم له.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان مع مرور العمر أن يحافظ على قلبه خفيفًا، وأن يترك نافذة للأمل مفتوحة مهما تبدلت الفصول؛ فالعمر يمضي كما أراد الله، أما الروح فإنها تبقى شابة ما دام فيها إيمان ومحبة وامتنان للحياة، وما دام الإنسان قادرًا على أن يحب، ويعطي، ويبتسم.













