قلب الشاعر ومرآة القارئ
في كل نصٍّ يُقال إن المعنى في قلب الشاعر؛ غير أنّ هذه العبارة ليست ترفًا لغويًا، بل إشارةٌ إلى حقيقةٍ أعمق: أن الكلمة حين تُقال لا تُغادر قلب قائلها كاملة، بل تخرج منه ناقصةً قليلًا، كأنها تبحث عمّن يُتمّها بفهمه. فالشاعر يضع في البيت ما عاشه، وما خَبِره، وما لم يستطع أن يقوله صراحةً، ثم يترك للقارئ أن يملأ الفراغات بما يحمل هو من ذاكرةٍ وخبرةٍ وجرحٍ قديم. وهكذا يصبح النصّ كائنًا ذا وجهين:
وجهٌ يراه الشاعر، ووجهٌ يراه القارئ.
وبين الوجهين تتشكّل المسافة التي يولد فيها التأويل. فالقارئ لا يقرأ البيت كما كُتب، بل كما هو مُهيّأٌ أن يفهمه؛
العالِم يقرأه بعقله،
والاجتماعيّ بعلاقاته،
والدينيّ بروحه،
والثقافيّ بسياقه،
وكلٌّ يضيف إلى النصّ طبقةً لم تكن فيه، لكنها كانت فيه بالقوّة، تنتظر قارئًا يوقظها.
وهذا لا يخصّ الشعر وحده؛ فالخطيب حين يطرح فكرةً يظن أنه أوصلها، لكن المستمعين لا يتلقّونها كما خرجت منه، بل كما دخلت إليهم. يدخلها التعب، أو الفرح، أو الخلفية المعرفية، أو التجربة الشخصية، فتتغيّر الدلالة دون أن يتغيّر الكلام. والكاتب كذلك؛ يكتب جملةً يراها واضحة، فتتحوّل عند قارئٍ آخر إلى سؤالٍ وجوديّ أو اعتراضٍ أو حكمةٍ لم يقصدها. بل إن هذا ينطبق على تواصلنا الاجتماعيّ اليومي:
نكتب كلمةً في لحظة صفاء، فيقرؤها آخر في لحظة ضيق، فتتبدّل معناها.
نرسل رأيًا، فيُفهم كحكم.
نقصد اللطف، فيُقرأ شدّة.
ونقصد المزاح، فيُستقبل كجدٍّ صارم. وهنا تتجلّى الفكرة النَيِّرة:
أن المعنى ليس ملكًا لمن قاله، ولا لمن تلقّاه، بل هو ابنُ المسافة بينهما.
مسافةٌ تصنعها التجارب، واللحظة، والذاكرة، واللغة، وكل ما لا نراه حين نتحدّث أو نكتب. ولعل أجمل ما في هذا الاختلاف أنه ليس سوء فهم غالبًا، بل دليلٌ على أن الإنسان لا يستقبل العالم بعينه فقط، بل بقلبه أيضًا.
فالشاعر يضع المعنى في قلبه، والقارئ يأخذه إلى قلبه، وبين القلبين يولد النصّ الحقيقي: نصٌّ لا يشبه الشاعر وحده، ولا يشبه القارئ وحده، بل يشبه الحياة نفسها… واسعة، متعدّدة، وممتلئة بما يكفي ليتّسع هذا الاختلاف الجميل.













