كيف يصنع الإمام الحسين (ع) الإنسان الواعي «8»؟
ورد عن الإمام الحسين
: «إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيالِ» [جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص 427 ].
الاعتراف بالمشاعر الصعبة بسبب الوقوع في مشكلة أو محنة لا يعني الاستسلام لها والانقياد لها كالأسير المكبّل، بل ينبغي أن يعقبه انتقال واعٍ من دائرة الانفعال إلى دائرة التفكير الهاديء والواعي بطبيعة الظروف الحياتية الصعبة، فالعاطفة تخبرنا بوجود المشكلة أما العقل فيرشدنا إلى كيفية معالجتها وتجاوزها من خلال تسجيل موقف اقتدار ومواجهة وعمل مدروس، فمن أعظم النعم الإلهية التي منحها الإنسان هو ذلك العقل المنظم في إدراكه وتفكيره وكيفية إدارته للأمور، فهو يملك القدرة على تحليل الأحداث الجارية والمواقف ومساراتها واتجاهاتها وفق العوامل المختلفة، كما أنه يستشرف النتائج المتوقعة من خلال دراسة مجريات الوقائع وما يترتب على كل خطوة، ولذا يستعدّ للمواجهة باختيار البدائل والوسائل والأدوات الممكنة للخروج من عنق الزجاجة، فإن الوقوع في أسر الانفعالات اللحظية يعني تشتت الذهن والانسياق خلف فرارات خاطئة، فكثير من القرارات الخاطئة لم تصدر عن نقص في المعلومات وإنما نشأت عن هيمنة الغضب أو الخوف أو اليأس على صاحبها حتى أصبح أسير مشاعره لا سيدها والمتحكّم والضابط لها، فعندما يستعيد العقل الواعي زمام الأمور والتحكّم في المشاعر وطريقة التفكير الإيجابية، يبدأ الإنسان في النظرة العمومية لمختلف زوايا وأبعاد الأزمة أو مصدر الألم والأحزان دون التعجّل في الأحكام أو العوامل أو المعالجات الممكنة، وهنا يبدأ في فلكّ العُقَد والرموز ويتبين له حقائق الأمور على أرض الواقع بعيدا عن الظنون والتخمينات، فقد يكتشف أن ما ظنه طريقا مغلقا قد يكون له أكثر من مخرج وما عليه سوى الموازنة بينها، وأن ما بدا خسارة كاملة قد يخفي فرصا متاحة للنمو والتغيير واكتساب قدرات جديدة وأفكار لمّا يطرقها عقله من قبل.
وهنا يتجلّى قيمة ما نسمّيه بالتفاؤل الواقعي والنظرة الإيجابية للأمور بعيدا عن التعقيدات ونظرة التشاؤم، إذ أن ذلك لا يعني تجاهل حجم الضرر والألم ولا وجوده أصلا مع وجود صعوبات - بالتأكيد - في طريق الخروج من الأزمة والبحث عن حلول ممكنة، وإنما هو التمسّك بخيط الأمل واليقين بالعون الإلهي فإن لكل عسر يسرا وفرجا، وكل ظلمة لها نهاية تتبدد فيها خيوط الظلام الكاحل وتتبدّى انبلاجة فجر مشرق جديد، وذلك الجهد الذي يبدله والصبر الذي يتحلّى به هو عمل إيجابي يتم من خلاله ضبط الانفعالات، كما أنه يمنح التوازن ويمنع القرارات المتسرعة حتى تتضح الرؤية وتستقر النفس.
وفي خضم المحن والأزمات التي يشمّر فيها الفرد عن ساعدي قدراته وإمكانياته للبحث عن حلول، لا غنى له عن محيط إيجابي يتمكن من خلاله التنفيس عن همومه ويشاركونه البحث عن مخارج، فالمشاركة تخفف الأعباء والكلمة الطيبة قد تكون دواء والاستشارة الصادقة والنقد الإيجابي قد يفتح بابا كان مغلقا، فإن المجتمعات المتماسكة أقل تعرضا للانهيارات النفسية، لأن أفرادها يجدون من يساندهم ويعينهم عند المحن والشدائد.













