اقرأ بيئة عملك جيدًا
قبل عدة أشهر، دار حديث بين مجموعة ركاب من شباب غربيين حديثي الالتحاق بسوق العمل، كانوا بالقرب من مقعدي في قطار «المترو». وكانت الساعة ساعة انصراف من العمل، حيث تكدس الناس في مقطورات المترو، وتبادلوا الأحاديث فيما بينهم. فابتدؤوا الحوار عن الجامعات التي تخرجوا منها، وتخصص كل منهم، وعدد طلبات التوظيف التي قدموها في مواقع التقديم على الوظائف، والمدة التي انتظروها حتى حصلوا على وظائفهم الحالية.
واقع الأمر، أثار ذلك الحديث جملة شجون في نفسي عندما كنت في مرحلة ما قبل التقاعد، وكان أكثرها شجونًا هو بيئة العمل وثقافة الشركة التي يعمل بها الفرد.
بعض البيئات في بعض الشركات والمستشفيات والأنشطة التجارية والصناعية والزراعية أشبه بالمناخ الاستوائي الجاف، وبعضها بالمناخ القاري، والأخرى بالاستوائي الممطر، وبعضها قطبي شديد البرودة وجالب للملل، وبعضها معتدل صيفًا وبارد شتاءً، وبعضها معتدل شتاءً وحار صيفًا، وبعضها ربيعي مثمر ومزهر ويانع، وبعضها جاف وجلف وقاحل ومنفر، ويكتنفها القيل والقال، والغيرة والحسد، وثعالب المكر، وتماسيح الغدر، وثعابين اللدغ.
فادرس بيئة عملك وثقافة شركتك، واعرف واجباتك، ومارس حقوقك دون أي مجاملة أو تفريط أو خشية. وإذا ابتُلي الإنسان بعدم وجود بديل عن مكان عمله المكفهر، فليبذل جهده حتى يجد البديل الأنسب، ودعاؤنا له بالتوفيق.
«زكاة العلم تعليمه»، جملة تُنسب للإمام علي بن أبي طالب
. ولتزكية بعض ما تعلمناه من دروس الحياة، أشارك أبناء الجيل الصاعد ما يلي:
1- اقرأ بيئة عملك جيدًا، وافهم وتفهم لعبة المصالح بين الرؤساء، وأحجام القوى، وطبيعة بعض العلاقات غير المعلنة: «النسب، المصاهرة، الصداقة، الديوانيات، المصالح المالية، شلل السفر، شلل البلوت، أصدقاء الطفولة… إلخ».
2- حاول أن تكسب كل من حولك في العمل والبيت والمتجر، سواء كانوا أعلى منك أو أدنى منك منصبًا ومرتبة؛ حتى البواب وعامل الخدمات والمراسل، اكسبهم ولو بالكلمة الطيبة، والوجه البشوش، وإلقاء السلام.
3- بادر في زرع المعروف، ولكن لا تجعل أحدهم يستغلك، أو يقطف ثمار زرعك، وينسبها إلى نفسه دون مراعاة حقوقك.
4- تذكر أن الأكل والولائم ليست مكافأة حقيقية مقابل جهودك المميزة، وإنما الزيادة في الراتب والترقية في المنصب هما المكافأة الصادقة. فلا تجعل أحد رؤسائك يرش الرذاذ في عينيك، ويسلب ترقيتك بعد إنجاز مميز ليمنحها لأصدقائه ومعارفه.
5- اقرأ كيف كافأت الشركة أو المستشفى من أفنى سنوات خدمته فيها ممن سبقوك؛ فإن أنصفوهم فاتبع خطاهم، وإن جحدوهم فكن حذرًا، وأعطِ واخدم على قدر الاستحقاق فقط لا غير.
6- لا تُصغِ إلى الوعود المعسولة والممطوطة بالترقية، وإنما حاول أن تحصد ثمرة جهودك أولًا بأول؛ لأن الإدارات متغيرة، والوعود كذلك متغيرة، وعصفور في اليد خير من عشرة عصافير على الشجرة. وعند الترقية، احرص على أن تكون مصحوبة بزيادة في الراتب؛ لأن المسؤولية قد زادت؛ فبالتبعية يجب أن تزيد المكافأة.
7- من شبه اليقين أن هناك من زملاء المهنة من يحسدك، أو على الأقل يغبطك؛ وعليه، كن واعيًا وحذرًا من أي معلومة أو فكرة أو قول يصدر منك؛ فقد يُستغل ذلك ضدك يومًا ما. فحياتك الشخصية تخصك، وليست جريدة متاحة لتصفح الآخرين.
8- الإجازات المرضية حق من حقوقك، فاستخدمها دون أي مجاملة أو تضحية على حساب صحتك وعواطفك.
9- تذكر أن في كل وظيفة في العالم يشغلها إنسان ما، وأن هذا الإنسان قابل للاستبدال في أي وقت، سواء قهرًا أو طواعية أو بحكم الأمر الواقع، إلا وظيفة الأب والزوج والابن والأخ؛ فهذه وظائف غير قابلة للتعويض أو الاستبدال. الأسرة أولًا قولًا وعملًا.
10- اقرأ رئيسك في العمل جيدًا، فقد يكون سببًا من أسباب زيادة الرزق، أو سببًا من أسباب التعاسة والنكد.
11- تذكر أنه في أي شركة تُصنَّف أنها قطاع ربحي، فإن الشركة ليست موجودة كجمعية خيرية، وإن رئيسك يسعى إلى تلميع صورته أمام رؤسائه؛ وعليه، اسعَ أنت كذلك إلى تلميع صورتك بذكاء وفطنة ومبادرات حسنة، لتقف متميزًا في طابور الارتقاء، وتتفادى الطابور الطويل الممل.














