عقل سعودي… بشهادة جونز هوبكنز
ليس كل اعتراف سواء.
فقد يكتب الناس كلماتهم بدافع الإعجاب.. وتمنح المؤسسات جوائزها تقديرًا لإنجازٍ بعينه.. غير أن هناك اعترافات لا تُولد من الانطباع ولا تصدر عن المجاملة وإنما تسبقها سنوات طويلة من التدقيق والمتابعة والقياس والبحث.
ولهذا.. فإن ما أعلنته جامعة جونز هوبكنز بمنح البروفيسور جعفر علي آل توفيق درجة الأستاذية لا يقرأ بوصفه خبرًا جديدًا في سيرته العلمية وإنما بوصفه شهادة كتبتها واحدة من أكثر الجامعات الطبية حضورًا في صناعة المعرفة الإنسانية.
فالجامعات العريقة لا ترفع أحدًا إلى مكانة لم يبلغها وإنما تعلن أمام العالم أنها وجدته أهلًا لها.
وهنا تكمن القيمة..
ليست في اللقب وإنما في الجهة التي نطقت به.
فجونز هوبكنز لا تمنح الأستاذية لأنها وجدت باحثًا كثير النشر.. ولا لأنها رأت اسمًا يتكرر في المؤتمرات وإنما لأنها رأت عقلًا ظل سنوات يضيف إلى المعرفة حتى أصبحت إضافاته جزءًا من المعرفة نفسها.
ومن يتأمل رحلة البروفيسور جعفر آل توفيق يدرك أن هذا الاعتراف لم يأتِ فجأة.
لقد بدأ الطريق طالبًا للعلم.. ثم أصبح شريكًا في صناعته.
وكتب في الأمراض المعدية واللقاحات ومكافحة العدوى وصحة الحشود حتى لم تعد أبحاثه مجرد أوراق علمية بل مراجع يستند إليها الباحث ويطمئن إليها الممارس وتستفيد منها المؤسسات الصحية في بناء قراراتها.
ولذلك لم تكن الجوائز التي توالت في الأعوام الأخيرة سوى شواهد على طريق كان يتجه إلى هذه اللحظة.
تصنيفات عالمية…
وجوائز ابتكار…
وجائزة الإنجاز مدى الحياة…
ثم تأتي جونز هوبكنز لتكتب السطر الذي لا تكتبه إلا الجامعات التي تعرف جيدًا ماذا يعني أن تقول لعالم:
أنت أستاذ.
ولعل أكثر ما يبعث على الاعتزاز أن هذه الرحلة - بكل امتدادها العالمي - لم تنقطع يومًا عن جذورها.
فمن القطيف…
ومن القديح…
خرج عقل حمل وطنه معه قبل أن يحمل شهاداته.
ولذلك فإن هذا الخبر لا يخص البروفيسور جعفر آل توفيق وحده.
إنه خبر عن وطن أصبحت كفاءاته تدخل أكثر المؤسسات العلمية صرامة من باب الاستحقاق.
وخبر عن مجتمع يرى أحد أبنائه يُثبت مرة بعد أخرى أن العالمية ليست مسافة تُقطع وإنما قيمة تُبنى.
ولهذا…
فإن الذي منحته جونز هوبكنز للبروفيسور جعفر آل توفيق لم يكن لقبًا جديدًا…
لقد منحت العالم فرصة أخرى ليقرأ عقلًا سعوديًا بلغ من نضجه العلمي ما جعله محل شهادة من جامعة لا تقول كلمتها إلا بعد يقين.













