كما تعين تعان، وكما تدين تدان
إن أمير البيان وسيد البلاغة والفصاحة، الإمام علي
، قد شخص بعناية فائقة زوايا حياتية ومجتمعية على مختلف تفرعاتها، إيجابية كانت أو سلبية، ودلل على ذلك بحِكَمٍ بالغة القصد والمعنى، وأمثلة في صميم الواقع الذي نعيشه، دقيقة الوصف والتوضيح، عُمقًا ومنطقًا، وهذا ما نحن بصدده عندما قال
: «كما تعين تُعَن، وكما تدين تُدان».
وتنطبق هذه المقولة فعلًا وتفاعلًا على نماذج كثيرة من منظور الحياة الإنسانية، ومفاعيلها وأحداثها، وما ينتج عنها من تجارب عديدة بخيرها وشرها، لتصب في قنواتها نصحًا واعتبارًا وإرشادًا.
وهنا نشير ونركز على مقطع من الحكمة المأثورة في جزئها الآخر، وهو محل نقاشنا وموضوعنا هذا، وجوهر الاهتمام المثار حولها، وهي الفقرة التي تقول: «كما تدين تُدان».
ولنسلط الضوء عليها، ونتحدث عن حادثة مأساوية يقشعر منها الوجدان، تُروى على لسان ناقلها؛ حيث انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أن ابنة اتصلت بأحد الأطباء، مطالبةً إياه بالمجيء إلى بيتها للكشف على والدتها العليلة ومعالجتها.
وعندما قدم الطبيب، سأل ابنتها: أين أمك المريضة؟ فإذا بها تأخذه إلى أسفل السلم، ففوجئ الطبيب بوجودها في هذا المكان المتسخ، وهي في حالة يُرثى لها من عدم النظافة، وتكاثر الحشرات والدود، وانتشاره على كامل بدنها. فأصيب الطبيب بالصدمة لهذا الأمر، وما زاد الأمر بِلَّةً، عندما قامت ابنتها، عديمة الحس والوجدان، بسحبها على حصير كانت مستلقية عليه للكشف عليها، فأصيب الطبيب لهول ما رأى من ذلك المنظر البشع، فسأل ابنتها: لماذا وضعتها في هذا المكان القذر؟ فأجابت، بكل برودة أعصاب، قائلة: «كي أحمي صحة أبنائي منها».
وتدور الأيام والسنون، فيُستدعى نفس الطبيب إلى المنزل ذاته، وإذا بابنة تلك المرأة السابق ذكرها تطلب من الطبيب أن يأتي معها إلى نفس المكان السابق المذكور، فيراها مستلقية على حصير بالمواصفات نفسها، وفي حالة مشابهة لما فعلته بأمها سابقًا. فسأل الطبيب ابنتها: لماذا فعلت هذا؟ فكانت الإجابة تتكرر مرة أخرى على نفس المنوال.
النتيجة الحتمية لهذا الفعل الشنيع أن الأم المذكورة آنفًا عوقبت على فعلتها في حياتها الدنيا بما جنت يداها، وفي انتظارها عقاب أشد وأقسى في الآخرة، والله بالمرصاد، حيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
إذًا هي دروس وعبر، علينا التأمل فيها، ومراجعة كل سلوكياتنا وأعمالنا بما يتفق مع شرع الله، وسيرة رسوله الكريم وأهل بيته الطاهرين
، وألا تمر علينا هذه التجارب الحياتية بحلوها ومرها مرور الكرام، وأن نتخذ من الأقوال البليغة والحكم الدقيقة لإمام المتقين علي
منهاجًا ونبراسًا، تضيء لنا السبل، وتفتح آفاقًا من العظة والعبرة لكل ذي لب.
وأن نتمسك بقول القرآن الكريم: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، وكما قال رسول الله ﷺ: «الجنة تحت أقدام الأمهات».
فلنرعوِ جميعنا، إناثًا وذكورًا، لنتلاشى ما يؤدي إلى أن نكون ممن يصدق عليهم القول: «كما تدين تُدان»… والسلام ختام.













