آخر تحديث: 3 / 7 / 2026م - 9:43 م

فيلم Citizen Vigilante يثير الاحتقان والتحريض

المهندس أمير الصالح *

«أنا أُعلِّم أبنائي القيم من القرآن الكريم ومن العائلة»، جملة مقتبسة من فيلم حديث الإصدار Citizen Vigilante. قالها أبٌ مسلم مهاجر كان جالسًا في بيته مع أولاده، حينما اقتحم رجل أوروبي مفتول الجسم منزلهم، وهو يشهر سلاحه بيده، ومندفع بهياج وغضب للانتقام ممن اغتصب ابنته.

ورود حوار خاطف بسردية ركيكة تُعمِّق الكراهية للمهاجرين المسلمين في عموم أوروبا وديار الغرب بشكل عام، بقالب حوار مترهل وسيناريو موجَّه أيديولوجيًا، أمرٌ يكشف عن أجندات معينة؛ وتلا الحوار مشهد دموي، حيث تصفية جسدية وحشية لكامل أفراد الأسرة المسلمة المهاجرة، مع أصدقاء ابنهم المتهم بالاغتصاب.

انتشار هذا الفيلم الزهيد، التي بلغت قيمة إنتاجه «750 ألف دولار»، كالنار في الهشيم في نصف الكرة الغربية، هو مؤشر على احتقانات متراكمة، وعلاقة مضطربة بين بعض الجماعات الأوروبية العنصرية والمهاجرين المسلمين، الذين ساهموا في إعادة بناء أوروبا ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية في القارة العجوز، كما ساهموا لاحقًا في سد فجوة نقص النمو السكاني، وتلبية الاحتياج إلى الأيدي العاملة في القارة الفتية «أمريكا».

تغييب حقائق

الكل يعلم أنه، إسلاميًّا، يُعاقب الزاني، والمُغتصب، والمُتحرش، والمعتدي على الأطفال، والمنتهك لأعراض الناس، بشكل عادل وحازم ورادع وسريع. كما يُعاقب أيضًا المقتحم لبيوت الناس، وقاطع الطريق، والسارق، والقرصان، والشاهر لأدوات القتل في وجوه الناس، والمروِّع للآمنين، والقاتل لهم بغير حق، بشكل رادع وعادل وحازم.

إلا أن منتج الفيلم، والمخرج، وكاتب السيناريو، وناشر الفيلم، اختزلوا حالة الاحتقان ضد ترهل قوانين بلدانهم في معاقبة الجناة، ومعالجة أسباب انتشار جرائم الاغتصاب والسرقة، ورموها على المهاجرين، وهم الحلقة الأضعف في المجتمعات الغربية.

أخفق مخرج وسيناريست فيلم Citizen Vigilante, عن قصد أو غير قصد، في عرض مشكلة تأزم العلاقة بين المهاجرين المسلمين وبعض سكان الدول الغربية التي فتحت لهم الأبواب لسد نقص الأيدي العاملة، وسد خلل التآكل السكاني وشيخوخة مجتمعاتها. فالحاجة إلى تلبية الاحتياج للأيدي العاملة الرخيصة ما زالت قائمة، وأبواب الهجرة لأوروبا والقارة الأمريكية أيضًا مفتوحة، إلا أن اليمين واليسار الأوروبيين في نزاع حول المكون السكاني للمهاجرين.

كما فشل المخرج في معالجة موضوعات عدة، منها الركود الاقتصادي الحالي في بعض دول أوروبا، حيث ترتفع البطالة بالتزامن مع تدفق المهاجرين، ومشكلة انتشار الرذيلة، واستغلال الأطفال جنسيًا، وتشريع تجارة الأجساد، وانتشار الأفلام الإباحية.

وأخفق مخرج الفيلم وكاتب السيناريو في معالجة تداخل المفاهيم لدى الشاب المراهق، ابن المهاجر المكافح، والفهم الساذج لمعنى الحرية الجنسية في المجتمعات المتحررة جنسيًا، ولا سيما المجتمعات ذات السقف العالي من الانفتاح، والمتحررة بتفريط في القيود الأخلاقية والأعراف القانونية والاجتماعية المحافظة.

وأبرز مخرج الفيلم فكرة مفادها أن بعض المسلمين يقذفون شرف المرأة المرتدية للملابس الفاضحة دون رادع من تقوى أو تربية أو خشية من القانون. والبعض من شباب ومراهقي المهاجرين المسلمين، كما حدث ويحدث لفتيان غير المسلمين، ولا سيما أبناء الجيل الثالث والرابع من المهاجرين في ديار الغرب، الذين يحملون جنسية بلد المهجر، ودرسوا وترعرعوا في بيئات غير إسلامية، ويحملون بصمات تربوية غير إسلامية، نابعة من التعليم في بلاد المهجر.

ومن يستحل مراودة الفتيات عن أنفسهن في أي مكان يحل به، دون قيود أو ضوابط أو قيم، هم أولئك المراهقون من أبناء المهاجرين، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين.

وأغفل المخرج كل تلك الحقائق، كما أخفق أيضًا في معالجة اختلاف الثقافات في المباح والممنوع من العلاقات بين الجنسين، وأخفق في طرح مفهوم العفة والستر من جهة، والتبرج والانفتاح والتحرر في العلاقات من جهة أخرى.

كما فشل المخرج في معالجة مفهوم التراضي في العلاقات غير المشروعة، حتى لو كان الفعل زنا محرمًا، في أجواء قد تكون مليئة بالعلاقات الإباحية شبه العلنية، التي تُمارس في بعض المنتزهات، ووسائل النقل العام، ومحطات انتظار القطارات، وبعض مواقف السيارات في بعض الدول الأجنبية المتحررة.

وإنما وظف المخرج وكاتب السيناريو، بدهاء، مفهوم الهيجان الجنسي لدى بعض المراهقين من أبناء المسلمين المهاجرين، ممن اضمحلت الرقابة الأسرية عليهم، وروج لفكرة التعميم بأن اغتصاب الفتيات القُصَّر، كما روجت أفلام أجنبية أخرى لفكرة قتل الأبرياء من قبل المسلمين، إذا صدر من مراهق أو شاب مسلم فإنه ناتج عن تعاليم دينية، وإذا صدر من غير مسلم فإنه مجرد نزوة.

وتحت تأثير مناظر إباحية، وصور فاضحة، ومقاطع فيديو مثيرة غرائزيًا، وإثارات وإيماءات جنسية متتابعة، قد يتجاوز بعض الشباب والمراهقين حرمة السن القانونية للمعتدى عليهن، أو يقيم علاقة غير شرعية معهن.

والإسلام هو الدين الأكثر تحرزًا ووقاية؛ إذ حرم كل أبواب الإثارة للغرائز الجنسية المنتشرة في القنوات والمنصات الرقمية والواقع، كما حرم تجارة الجنس، وحرم تجارة الأفلام الخليعة، لمنع وحجب كل مظاهر الانفلات الأخلاقي.

فكرة الفيلم

الفيلم بأكمله موجَّه للمشاهد ضحل المعرفة، ولا سيما الأوروبي، لتحريضه ضد قداسة القرآن الكريم، وضد الإسلام وأتباعه، ويدعو مشاهديه إلى المزيد من الكراهية ونبذ المهاجرين المسلمين، حتى الأبرياء والكادحين والمساهمين في بناء الاقتصاد منهم.

بل إن بعض المحللين للفيلم ذهبوا إلى أن الفيلم دعوة صريحة لإعلان إباحة التصفية والاعتداء على المهاجرين بدم بارد.

الفيلم محظور من العرض والتداول في ألمانيا، وأغلب دول أوروبا، لخطورة أفكاره.

أمر ملفت

إلا أنه لفت انتباهي، حديثًا، صدور أفلام عديدة تحفز غير المسلمين على الكراهية ضد المسلمين، وترسخ الدعوة إلى الإسلاموفوبيا، وتحرض الناس في بعض الدول على استباحة أملاك وأموال وأرواح المسلمين في دولهم، تحت عناوين مختلفة، مثل: ”When Legal System Fails“، و”Immigrants Cause the Current Recession“.

وقد صدمني أن أحد مليارديرات العالم، الذي أمده الله بالمال الوفير، سخر منصته الرقمية العالية الانتشار في نشر أفكار الإسلاموفوبيا، وجعل مشاهدة الفيلم متاحة للجميع مجانًا.

حتى إن أحد المغردين علَّق على فيلم Citizen Vigilante بقوله إنه كان يكره المسلمين والإسلام قبل مشاهدة الفيلم.

وقد أحدث الفيلم ضجة عالمية، مع أنه أُنتج عام 2024، ولم يُطرح للعرض إلا في يونيو 2026.

كما أن الفيلم محظور في بعض الدول الأوروبية؛ لأنه يحرض علنًا على الكراهية ضد المهاجرين المسلمين.

صناعة الأفلام في بعض الدول… إلى أين؟

على مدى عقود، شاهدت، وما زلت أشاهد، أفلامًا من ثقافات متنوعة للإثراء الثقافي والعلمي والترفيهي، ولكن في الآونة الأخيرة أضحت الأفلام مؤدلجة بشكل صارخ. فلم تعد مشاهدة الأفلام للتسلية والاستمتاع بالوقت الفائض فحسب؛ وعليه، يجب مراقبة ما يراه أبناء الجيل الصاعد، فنحن الآباء قد نتفاجأ بتطرف أولادنا، أو بانحلال أخلاقهم، أو بتشتت أفكارهم.

همسة للطلاب والموظفين المغتربين

لا أحد يود أن يكون منقادًا لغيره، ولكن ليس الجميع يمتلك شجاعة السعي لإحراز الوعي والكرامة، والمبادرة في التصدر، وزرع روح الوعي في نفسه وعند غيره، واستكشاف طرق جديدة معاصرة تخرج عن الصورة النمطية لإحداث الأثر الإيجابي.

فالكثير مطلوب منهم أن يسعوا طوال حياتهم إلى حسن تربية وتزكية أنفسهم وأبنائهم، سواء في أرض الوطن أو أراضي الابتعاث والمهجر؛ فمع اكتساب منسوب أكبر من الحرية يرتفع منسوب المسؤولية على الإنسان.

أما الآخرون، ولا سيما من يكرهون الخير لغيرهم، فنراهم يترددون، أو يتراجعون، أو ينقلبون على أعقابهم، ويكيلون بموازين مختلفة؛ فلا تعطوهم ذريعة.

ليس لأن ثمن الحرية والكرامة مرعب ومخيف، بل لأن ثمن النسخة الحقيقية من الحرية وصيانتها أمران مكلفان أمام الله وأمام البشر.

فهناك تركة اجتماعية وفكرية كبيرة تراكمت عبر سنوات طويلة، وإعلام مضلل في قنوات أجنبية ذات أجندات مشبوهة؛ لذلك فإن قلةً من الناس تتحمل قيمة الوعي، وتصمد لحماية الحرية والكرامة التي استحصلوها، بينما الأغلب يتبعون شهواتهم العابرة.

سخط أم شحن ضد؟

هناك مجموعات بشرية ليست بالقليلة في الغرب والشرق، ساخطة وغاضبة ومشحونة بسبب تزايد أعداد المهاجرين الاقتصاديين وضحايا الحروب على أراضيها، ولا سيما في الآونة الأخيرة.

وما يزيد من مستوى السخط والتململ بين صفوف بعض الجماعات في الغرب هو ارتفاع معدلات الجريمة الصادرة من بعض أبناء الجاليات المهاجرة، وفشل القضاء في بعض تلك الدول في طرح معالجات جذرية وعقوبات رادعة. مما جعل بعض الأوروبيين أكثر تشنجًا، وبعض اليساريين أكثر تطرفًا، بل إن بعضهم اتجه إلى الفاشية، أو حتى إلى الإرهاب غير المصنف إعلاميًا.

شهوة حيوانية وعقاب جماعي

يصور الفيلم يأس أب الفتاة المغتصبة «الضحية» من عدالة القانون في بلاده، فيأخذ زمام الانتقام بيده، ويقوم بتصفية الفاعلين وأفراد أسرهم دون أي تأنيب للضمير، مع خلط واضح من مخرج الفيلم، وإضفاء شرعية ضمنية على لغة القوة والعنف والاستبداد، عبر التصفية الجسدية لأسرة المغتصب، بوصفها ظاهرة مقبولة وعقوبة رادعة.

صراع الحضارات

يبدو أن هناك توجيهًا لطاقات سينمائية، وسرديات درامية، لإضرام نيران الفتن في بقاع متعددة من العالم، بعناوين مختلفة، من بينها الدعوة إلى طرد المهاجرين المسلمين من بعض بقاع العالم.

وضع الكلمات

رسالة الفيلم محبِطة؛ فهي تحرض عامة الناس على فرض مفهوم العدالة بأيديهم، كما يفهمونها، وبالشكل الذي يريدونه.

السينما

السينما أضحت وسيلة اتصال عابرة للقارات، ولغة لصياغة قوالب فكرية، يجب إجادة استثمارها من قبل أهل الخير والفضائل؛ لإعطاء صورة جلية وواضحة ومؤثرة.

إن ترك أصحاب الأجندات الشريرة يسيطرون على الإنتاج السينمائي، تحت عنوان حرية الرأي، أو الاكتفاء بحظر نشر ما ينتجونه في مواقع جغرافية محددة، أثبت عدم كفاءته في ظل عولمة الفضاء الرقمي.

وعليه، يجب على قوى الخير تضافر الجهود في نشر الوعي، وترسيخ قيمة الكرامة والاحترام للآخر، بكل الأدوات الإعلامية المتاحة، بما فيها الأعمال السينمائية؛ لحماية الأجيال من الرذائل، والإباحية، والكراهية، والمخدرات.