آخر تحديث: 2 / 7 / 2026م - 7:34 م

لا تعمل أكثر من المطلوب… فتُستبعد

إنعام آل عدنان *

نشأنا على قناعة راسخة بأن من يعمل أكثر يكافأ أكثر، وأن الاجتهاد هو الطريق الأقصر للنجاح. كنا نؤمن بأن الموظف الذي يبذل جهدًا إضافيًا، ويتحمل المسؤوليات، ويتعلم باستمرار، هو الأقرب إلى التقدير والترقية.

لكن خبرة العمل غيّرت نظرتي إلى هذه الفكرة.

كنت يومًا موظفة، وكنت أجتهد بكل ما أستطيع. أتعلم كل ما يقع تحت يدي، وأحاول ألا يطلب مني مديري أمرًا فأقول: «لا أعرف». كنت أبحث عن الحلول، وأتطوع لمعالجة المشكلات، وأسعى لأن أكون الموظفة التي يمكن الاعتماد عليها في كل شيء. لا أعلم إن كنت أفضل موظفة، لكنني كنت أبذل كل ما لدي لأكون كذلك.

وبقيت أنظر إلى الأمور من هذه الزاوية، حتى تبدلت الأدوار.

تركت الوظيفة، وأصبحت صاحبة مشروع، والمسؤولة عن إدارة فريق العمل. في البداية، كان من الصعب عليّ معرفة الموظف المناسب. مررت بتجارب متعددة مع موظفات مختلفات، وكل تجربة كانت تعلمني درسًا جديدًا.

حينها فهمت لماذا لا تقتصر المقابلات الوظيفية على الشهادات والخبرات فقط، ولماذا تُطرح أحيانًا أسئلة تبدو بعيدة عن طبيعة العمل. فالمهارة يمكن تعلُّمها، أما الشخصية فهي التي تحدد طريقة تعامل الموظف مع المسؤولية، ومع العملاء، ومع فريق العمل.

وخلال تلك التجارب، مرّت عليّ موظفة كانت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة. لم تكن تكتفي بأداء مهامها، بل كانت تحاول إبداء الرأي في قرارات الإدارة، وتوجيه المؤسسة، وتقديم النصائح في أمور لم تكن ضمن مسؤولياتها. كانت تظن أنها بذلك تثبت قيمتها، بينما كنت أرى أنها تتجاوز حدود دورها الوظيفي.

لم أستطع الاستمرار مع هذا الأسلوب، وأنهيت فترة تجربتها.

في تلك اللحظة، تعلمت درسًا لم أتعلمه طوال سنوات كنت فيها موظفة.

الاجتهاد قيمة عظيمة، لكن الحكمة أعظم. ليس كل ما تستطيع فعله يجب أن تفعله، وليس كل مشكلة تراها مسؤوليتك أن تحلها.

الموظف المتميز ليس من يتدخل في كل شيء، بل من يعرف حدوده، ويتقن عمله، ويتحمل مسؤولياته، ويضيف قيمة حقيقية دون أن يتجاوز دوره.

قد تعمل أكثر من الجميع، لكن إن لم تكن تدرك أين ينتهي دورك، فقد يتحول اجتهادك من نقطة قوة إلى سبب لاستبعادك.

فالنجاح في بيئة العمل لا يعتمد على كثرة ما تفعل، بل على وعيك بما ينبغي أن تفعله… وما ينبغي أن تتركه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
عبدالله احمد ال نوح
[ القطيف ]: 29 / 6 / 2026م - 12:27 ص
في البداية، أتقدم بالشكر للأستاذة إنعام آل عدنان على طرحها لموضوع مهم وحساس يمس شريحة واسعة من الموظفين، وعلى قدرتها في تسليط الضوء على بعض الإشكالات الواقعية التي قد تواجه المجتهدين في بيئات العمل المختلفة. المقال يحمل قراءة تستحق التأمل، خصوصاً في جانب التنبيه إلى ضرورة وعي الموظف بحقوقه وحدود عطائه حتى لا يتحول اجتهاده إلى باب للاستغلال.
ومع تقديري لما طرحته الكاتبة، أجد نفسي مختلفاً مع الفكرة من بعض الجوانب.

في نظري، المشكلة لا تكمن في الموظف الذي يعمل أكثر من المطلوب، ولا في الاجتهاد ذاته، بل في بيئة العمل التي لا تعرف كيف تستثمر الطاقات المبدعة. فالمؤسسات الناجحة لا تنظر إلى الموظف المبادر على أنه عبء أو تهديد، بل تعتبره قيمة مضافة ومحركاً للتطوير والنمو.

حين يُستبعَد الموظف المتميز بسبب اجتهاده أو مبادراته، فالمشكلة هنا ليست في الموظف، وإنما في الثقافة الإدارية السائدة داخل المؤسسة. فهناك فرق كبير بين مدير ناجح في إدارة المهام وبين قائد حقيقي يصنع النجاح من خلال فريقه.
2
زكريا أبو سرير
[ تاروت.. القطيف ]: 29 / 6 / 2026م - 11:47 م
أتقدم بالشكر للأستاذة الكاتبة إنعام على ما تفضلت به، وأقدّر التجربة العملية التي عرضتها، وهي تجربة قد يمر بها كثير من الموظفين المجتهدين والطموحين إلى النجاح والتميز.
إلا أن جوهر المشكلة في تقديري لا يكمن في الموظف، بل في ثقافة المنشأة وأسلوب إدارتها. ومن هذا المنطلق، فإنني أشاطر الكاتب الأستاذ عبد الله آل نوح الرأي فيما طرحه.
وأضيف نقطة أراها في غاية الأهمية، وهي أين ثقافة التدوير الوظيفي؟ فهي تُعد إحدى الركائز الأساسية لضمان استدامة العمل واستمراريته. فالموظف لا ينبغي أن تنحصر معرفته في المهام الموكلة إليه فقط، بل يجب أن يكون لديه إلمام وفهم بطبيعة أعمال زملائه، بما يحقق المرونة التشغيلية ويضمن عدم تعطل العمل عند غياب أي فرد.
فالمنظمة الناجحة هي التي تُعد موظفيها ليكونوا قادرين على سد الاحتياج عند الحاجة، أشبه بـ"الجوكر" الذي يستطيع أداء أكثر من دور بكفاءة، وفق متطلبات العمل ومصلحة المنشأة.
3
انعام ال عدنان
[ القطيف ]: 30 / 6 / 2026م - 8:42 م
الشكر موصول لكما أستاذ عبدالله وأستاذ زكريا على إثراء النقاش.

أتفق تمامًا معكما أن الاجتهاد في العمل، والسعي المستمر لتطوير الذات، واكتساب الخبرات التي تمكّن الموظف من أداء أكثر من مهمة داخل بيئة العمل، كلها أمور مهمة ومطلوبة. لكن ما أردت إيصاله في المقال هو جانب آخر، وهو أن الاجتهاد وحده لا يكفي إذا لم يكن مصحوبًا بالحكمة وحسن تقدير الموقف.

هناك شعرة دقيقة بين المبادرة والتدخل، وبين المساعدة وتجاوز الحدود. وأحيانًا يكون موقف بسيط هو الفاصل بينهما. أذكر أنه أثناء زيارة حساسة للمؤسسة من جهة حكومية، كانت إحدى الموظفات تسير خلفي، فأشرت إليها بلطف ألا تتبعنا، لكنها استمرت في السير خلفنا وكأنها ترى أن ذلك من باب الاجتهاد وحسن الأداء، بينما في الحقيقة كان التصرف غير مناسب للموقف.

لهذا أؤمن أن الموظف الناجح لا يجتهد فقط، بل يعرف أيضًا متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى تكون المساعدة مطلوبة، ومتى يكون احترام حدود الدور الوظيفي هو التصرف الأكثر احترافية.