آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 7:51 م

فصول من التضحية الإنسانية

رائد بن محمد آل شهاب

يُعرف العاشر من محرم بيوم عاشوراء، إحياءً لذكرى استشهاد حفيد النبي محمد ﷺ، الإمام الحسين وعائلته، وأكثر من 72 رجلًا من أصحابه في معركة كربلاء ضد جيش بلغ قوامه 30 ألف رجل. وتتجلى أهمية هذا اليوم في جميع جوانب الحياة، من القضايا الروحية والأخلاقية إلى القضايا الاجتماعية والسياسية، وفيه دروس لا حصر لها يمكن استخلاصها من هذه المأساة العظيمة.

الإمام الحسين غني عن التعريف، فهو علم من أعلام هذا الكون، وكان هو وأخوه الحسن المذكورين في حديث صحيح يعرفه كل مسلم: (سيدا شباب أهل الجنة). كان هو وأخوه محبوبين ومُقدَّرين لدى النبي منذ ولادتهما، ومن أحبه النبي لا يسعه إلا أن يحبه، حتى لو لم يكن من أهله. الحسين شهيد، وتفاصيل استشهاده مؤلمة للغاية. ويكنّ له جميع المسلمين احترامًا كبيرًا، ولا يسعهم إلا أن يشعروا بالحزن والأسى عند ذكره. ولم يدخر هو وأخوه جهدًا في سبيل الحفاظ على وحدة المسلمين، وأيضًا في سبيل عدم إراقة الدماء.

الشيء الملفت للانتباه، من وجهة نظري، وقد يعلمه بعض المختصين في المجال الديني، هو أن فاجعة كربلاء ربما لم تُذكر في العهد القديم أو العهد الجديد (Old Testament / New Testament) صراحةً بالاسم. ومع ذلك، يفسر بعض علماء الدين الإسلامي والباحثين بعض الآيات التوراتية على أنها نبوءات رمزية أو إشارات إلى استشهاده وفاجعة كربلاء.

إن الأحداث المهمة في خطة الله لهداية البشرية ليست أحداثًا مفاجئة أو غير متوقعة أو غير مُنبَّأ بها. فقد عُرفت فاجعة كربلاء، وأعلنها النبي ﷺ قبل وقوعها بزمن طويل. بل ربما ذُكرت حتى في الكتب السماوية السابقة. وفيما يلي أحد أوجه الاستدلال المستمدة من الكتب التوراتية:

إن خلافة النبوة والإمامة هي تاريخ مع الله بدأ بآدم ، ويستمر مع محمد ﷺ، وهو تاريخ راسخ في عهد بين النبي إبراهيم وبين الله. ويبدو أن هذا العهد بين إبراهيم والله، كما هو مكتوب في النسخة الحالية من الكتاب السماوي، يتضمن ذكر الأئمة الاثني عشر، وثالثهم الإمام الحسين ، بطل كربلاء.

أمر الله إبراهيم أن يضحي بابنه. فأطاع إبراهيم الله، كما أطاع ابنه، واستعدا للذبح. ولكن في اللحظة الأخيرة، أُعفي إبراهيم من هذه المهمة، واستُخدمت ذبيحة الكبش بدلاً منه، لتكون رمزًا للذبح الأعظم لاحقًا. هنا تفسر: (يا إبراهيم، لقد صدقت الرؤيا، إنَّا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم).

يُحيي الحجّ ذكرى جوانب عديدة من حياة النبي إبراهيم . ولعلّ في إبرام العهد مع النبي إبراهيم دلالة خاصة، إذ من خلال هذا العهد وُعد النبي محمد ﷺ والأئمة . ويتمحور أحد مناسك الحجّ حول هذا الاختبار المتمثل في التضحية بالابن، وتُختتم مناسك الحجّ بالتذكير بالتضحية الكبرى التي تحلّ محله، وذلك من خلال رمزية ذبح حيوان يُقدَّم بعد ذلك، في أفضل الأحوال، للمحتاجين.

هناك تضحية كبرى تتوارثها الأجيال اللاحقة، قد تُفهم وتُوصَف من خلال مناسك الحجّ.

والبعض الآخر يحاول تفسير العلاقة والتسلسل الزمني العجيب، بتضحية الإمام الحسين في كربلاء، التي تبدأ مع العام الهجري الجديد، مباشرةً بعد الحجّ. هل هي صدفة؟ أم تذكير بتحقيق هذا العهد مع النبي محمد والأئمة الاثني عشر ، وعلامة على دور الإمام الحسين في هذا العهد؟

في وقت أداء فريضة الحج، يُعد حلقُ الرأس من الشعائر. وفي الكتب السماوية القديمة، يُعد حلق الرأس رمزًا للحداد، كما هو الحال مع ارتداء الملابس البسيطة التي يرتديها الحجاج.

ويُلاحظ أيضًا البكاء ولطم الصدر، وهما من الأمور الأساسية في ممارسات إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين وأصحابه في كربلاء. وفي بعض نصوص الكتب السماوية، وردت إشارات يفسرها بعض الباحثين على أنها دعوة إلى هذه الممارسات حدادًا.

هناك العديد من النبوءات المنقولة عن النبي الكريم عن استشهاد الإمام الحسين في كربلاء. في المقابل، لا توجد في الكتب السماوية نبوءة واضحة عن الصلب. لكن هناك نبوءة يعتقد البعض أنها مرتبطة بأحداث كربلاء.

الله أعلم بما ورد في النبوءات وما هو من نسج الخيال. ولسنا بحاجة إلى الكتب السماوية السابقة للتأكد من الأهمية القصوى لاستشهاد الإمام الحسين للبشرية جمعاء. لكن من المثير للاهتمام أن نتأمل في إمكانية بقاء هذه الروابط وتسليط الضوء عليها من قبل كتب سماوية أخرى.

فأنا أعتقد، بوصفي كاتبًا بسيطًا، أن علماء الدين من المراجع والمفكرين والمشايخ يفسرونها أفضل مني. وأن الإمام الحسين قدّم تضحية إنسانية يعجز العالم عن تقديمها ووصفها، برقم مميز هو 72 فصلًا من فصول التضحية العملاقة في مواجهة عدد هائل لا يستوعبه العقل البشري. فالشق الأول من الرقم 72 له مكانة عظيمة ورمزية فريدة في الإسلام، حيث يمثل الكمال والتمام. وعندما نقول تضحية إنسانية، فإننا نشير إلى تقديم عالم إنساني مشرق بالحياة الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية… إلخ، عالم تُقتلع فيه جذور الشر. وتكلفته عظيمة، تعادل الملايين من مجلدات العدالة، بل رقمًا غير متناهٍ لخلق حياة إنسانية راقية.

المصادر:

• Imam Hussain: King of the Free, By. Wilaya

• Husayn, The Sacrifice for Mankind, By. Imam Shirazi Foundation - Translated by. Z. Olyabek

• Biblical Perspective on Imam Hussain, By. Masooma Beatty - Islamic Insights