آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 7:51 م

عاشوراء… حين خاطبت كربلاء ضمير الإنسان

محمد يوسف آل مال الله *

تمر على البشرية أحداث كثيرة، يطويها الزمن بانتهاء ظروفها، وتبقى حبيسة كتب التاريخ. غير أنّ هناك أحداثًا تتجاوز زمانها ومكانها، لأنّها لا ترتبط بجغرافيا أو قوم أو مذهب، بل تمس جوهر الإنسان وقيمه. ومن هذه الأحداث واقعة الطف، التي ما زالت بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا تستوقف الباحثين والمفكرين وأصحاب الضمائر الحية، لما حملته من معانٍ إنسانية وأخلاقية خالدة.

إنّ سر بقاء كربلاء حاضرًا في الوجدان الإنساني لا يكمن في حجم المأساة وحده، وإنّما في الرسالة التي حملتها؛ رسالة تؤكد أنّ الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك من قوة أو مال أو نفوذ، وإنّما بما يتحلّى به من صدق وعدل ورحمة ووفاء للمبادئ.

لقد أعلن الإمام الحسين منذ بداية نهضته أنّ غايته ليست طلب سلطان ولا منافسة على دنيا، وإنّما إصلاح الإنسان والمجتمع، حين قال: ”إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي“. ومن هنا اكتسبت نهضته بعدها الإنساني، لأنّ الإصلاح قيمة تتفق عليها الفطرة السليمة قبل أن تنادي بها الشرائع.

ويؤكد القرآن الكريم أنّ أي تغيير حقيقي يبدأ من داخل الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11]. وهذه الآية ترسم قاعدةً حضاريةً مفادها أنّ نهضة المجتمعات لا تبدأ بتغيير الظروف الخارجية فحسب، بل ببناء الضمير، وترسيخ القيم، وإحياء المسؤولية الأخلاقية.

ومن يقرأ أحداث الطف بعين الإنصاف يدرك أنّ ما وقع فيها لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان امتحانًا للقيم الإنسانية في أصعب الظروف. فقد ظهرت فيها مواقف من الوفاء، والإيثار، والصبر، والرحمة، والثبات على المبدأ، كما ظهرت في المقابل ممارسات تركت أثرًا مؤلمًا في الذاكرة الإنسانية، لأنّها مست جوانب لا تختلف الأمم في استنكارها، كحرمة الدم، وحقوق الأطفال، وكرامة الإنسان.

ولذلك فإنّ استذكار كربلاء لا ينبغي أن يكون استحضارًا للحزن وحده، بل فرصة للتأمل في الأسباب التي قد تدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده الأخلاقية عندما تغيب البصيرة، أو تطغى المصالح، أو يضعف صوت الضمير.

وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة الانجراف خلف الأهواء، فقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: 23]. فالهوى لا يقتصر على الرغبات الشخصية، بل يشمل كل ما يصرف الإنسان عن ميزان الحق والعدل والرحمة.

وفي المقابل، تقدّم كربلاء نموذج الإنسان الذي يستمد قوته من إيمانه بالله، ومن التزامه بالمبادئ، لا من أدوات القوة المادية. ومن هنا اكتسبت هذه الواقعة بعدها الروحي، إذ تذكّر الإنسان بأنّ للحياة رسالة أسمى من السعي وراء المكاسب العابرة، وأنّ الكرامة الحقيقية تنبع من صدق العلاقة بالله، وحسن العلاقة بالناس.

ولعل من أبلغ الكلمات التي عبّرت عن هذا المعنى قول الإمام الحسين : ”إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم“. فهي دعوة إلى استحضار الضمير الإنساني، وإلى أن تكون الحرية مقرونة بالمسؤولية الأخلاقية، وهي معانٍ يفهمها كل إنسان، مهما اختلف دينه أو ثقافته.

ويؤكد القرآن هذا التكريم الإلهي للإنسان بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70]. فالكرامة في الرؤية القرآنية حق أصيل لكل إنسان، وهي الأساس الذي تُبنى عليه العدالة والرحمة والتعايش.

وفي تراث أهل البيت نجد امتدادًا لهذا الفهم، فقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي قوله: ”الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق“. وهي كلمة تؤسس لعلاقة إنسانية قائمة على الاحترام والعدل، وتفتح آفاقًا واسعة للتعارف والتعاون بين البشر.

إنّ العالم المعاصر، رغم ما حققه من تقدم علمي وتقني، لا يزال بحاجة إلى ترسيخ القيم التي تحفظ للإنسان إنسانيته؛ فالتنمية لا تكتمل إذا غابت الأخلاق، والتقدم لا يحقق غايته إذا افتقد الرحمة، والقوة لا تصنع السلام إذا انفصلت عن العدل.

ومن هذا المنطلق، تبقى واقعة الطف مصدر إلهام لكل من يبحث عن المعنى الحقيقي للحياة؛ فهي تدعو الإنسان إلى مراجعة ذاته، وإلى تغليب القيم على المصالح، وإلى بناء مجتمع يقوم على الإصلاح والرحمة والكرامة، لا على الأنانية والصراع.

إنّ عالمية كربلاء لا تعني أنّ الجميع ينظر إليها بالطريقة نفسها، وإنّما تعني أنّ قيمها الكبرى قادرة على مخاطبة كل ضمير حي؛ لأنّها تُذكّر الإنسان بأنّ أعظم ما يملكه ليس ما في يده، بل ما في قلبه من إيمان، وما في سلوكه من أمانة، وما في مواقفه من صدق.

ولهذا ستبقى الطف مدرسةً أخلاقيةً مفتوحة، يتعلّم منها كل جيل أنّ المبادئ الصادقة قادرة على البقاء، وأنّ القيم الراسخة تترك أثرًا يتجاوز حدود الزمن، وأنّ السعادة الحقيقية تبدأ عندما يسمو الإنسان بروحه، ويجعل علاقته بالله أساسًا لعلاقته بنفسه وبالناس جميعًا.