آخر تحديث: 25 / 6 / 2026م - 9:04 م

من النهوض إلى الخلود

ناجي وهب الفرج *

حين يُذكر الشموخ في تاريخ الإنسانية، فإن الذاكرة تستحضر مواقف الرجال الذين جعلوا من المبادئ أعظم من المصالح، ومن الحق أسمى من المكاسب العابرة. فالشموخ ليس كلمة تُقال، بل موقف يُعاش، وثبات يُختبر في ساعات الشدة حين تتراجع النفوس الضعيفة وتتقدم النفوس الكبيرة.

وقد أرسى النبي محمد بن عبد الله ﷺ دعائم هذا الشموخ منذ بزوغ فجر الرسالة، حين دعا إلى عبادة الله وحده، وأقام مجتمعًا يقوم على العدل والرحمة والكرامة الإنسانية. فكانت سيرته مدرسة في الصبر على الأذى، والثبات على الحق، والتضحية من أجل هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور. وما القيم التي خلدها التاريخ من صدق وأمانة وعدل ورحمة إلا ثمرة من ثمار تلك الرسالة العظيمة.

ومن هذا المنبع النبوي الأصيل نهل الإمام الحسين بن علي مبادئه، فكانت نهضته امتدادًا لرسالة جده ﷺ، وحركة إصلاحية تهدف إلى صيانة القيم التي جاء بها الإسلام. فلم يخرج طالبًا سلطانًا ولا باحثًا عن مكسب دنيوي، وإنما خرج ليحفظ معالم الحق ويعيد للأمة وعيها بمسؤوليتها تجاه دينها ومبادئها.

لقد خاطب القوم بالحجة والبرهان، وذكّرهم بالعهود التي قطعوها والرسائل التي بعثوها إليه، وأقام عليهم الدليل تلو الدليل، فلم يكن طالب نزاع أو سفك دماء، وإنما كان صاحب رسالة أراد أن يوقظ الضمائر من سباتها. لكن حين يعمى الهوى البصائر، تتحول النصيحة إلى أمر مكروه، وتُواجَه الحقيقة بالضجيج والصدود والجحود.

وكان الإمام الحسين يعلم حجم التضحيات التي تنتظره، ومع ذلك لم يتراجع عن موقفه، لأنه كان يرى أن الحفاظ على القيم التي دعا إليها النبي ﷺ أمانة لا يجوز التفريط بها، وأن الكرامة لا تُشترى بالتنازل عن المبادئ. ولذلك بقي موقفه شاهدًا على أن الحق لا يُقاس بعدد الأنصار، بل بسلامة الغاية ونبل المقصد.

وفي كربلاء تجلّت أسمى صور الوفاء. فقد وقف أصحابه إلى جانبه موقفًا يندر أن يجد له التاريخ نظيرًا. كانوا يدركون قلة عددهم وكثرة من يواجهونهم، ويعلمون أن الطريق ينتهي بالشهادة، ومع ذلك ازدادوا يقينًا وثباتًا. لقد رأوا في نصرة الحسين نصرة للقيم التي جاء بها جده رسول الله ﷺ، فبذلوا أرواحهم مطمئنين إلى عدالة قضيتهم وصدق رسالتهم.

لقد قدّم أولئك الأصحاب أرواحهم رخيصةً في سبيل ما آمنوا به، فصاروا مثالًا خالدًا للفداء والإخلاص. وتحولت تضحياتهم إلى نور يهدي الأجيال، ودليل على أن الإنسان يستطيع أن ينتصر لقيمه حتى وإن خسر كلَّ شيءٍ في الحسابات المادية. فالنصر الحقيقي ليس دائمًا في البقاء، بل قد يكون في الموقف الذي يبقى حيًّا بعد رحيل أصحابه.

ومن هنا بقيت كربلاء مدرسة متجددة تعلّم الناس أن الوفاء بالعهد شرف، وأن الصبر على الشدائد طريق إلى الكمال، وأن الثبات على الحق هو أساس العزة الحقيقية. كما تؤكد أن الرسالة التي بدأها النبي محمد ﷺ استمرت حية في مواقف أهل بيته الأطهار، وأن المبادئ التي تُبنى على الإيمان والعدل لا يمكن أن تموت مهما تعاقبت الأزمنة.

لقد انتقل أصحاب الحسين من الإيمان بالفكرة إلى التضحية من أجلها، ومن معرفة الحق إلى الثبات عليه، ومن النهوض بالمسؤولية إلى الخلود في سجل الشرف الإنساني. وهكذا أصبحت كربلاء منارة للأحرار، ومصدر إلهام لكل من يرفض الذل ويبحث عن الكرامة في أسمى معانيها.

إن الطريق إلى الخلود لا يُعبَّد بالراحة، وإنما يُشق بالصبر واليقين والوفاء. وهذه هي الرسالة التي ما زالت تتردد عبر القرون: أن الحق قد يُحاصَر، وأن أهله قد يواجهون الشدائد، لكن المبادئ التي تُروى بالتضحية تبقى حيّة لا تموت، لأنها تستمد نورها من رسالة النبي محمد ﷺ، وتتجدد في مواقف المصلحين والثابتين على الحق جيلاً بعد جيل.

نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية