آخر تحديث: 23 / 6 / 2026م - 9:38 م

أنت والمآل

إبراهيم آل عبيدي

عزيزي القارئ، ماذا يخطر في ذهنك عندما تقرأ العبارة التالية:

”ابدأ والمآل في ذهنك“

بعد أن تقرأها وتتمعن فيها وفي معناها، أرجو منك أن تغمض عينيك ثم تتخيل مسيرة حياتك منذ أن كنت طفلاً حتى وصلت لهذه اللحظة، فما الذي كنت تتمنى أنك قد أنجزته على المستوى:

• الشخصي
• الأسري
• المهني
• الاجتماعي

أنا هنا لا أدعوك لتنظر إلى الخلف لتتحسر على ما فات، ولا أن تحزن على ما مضى، فما مضى مضى ولن يعود أبداً. لكننا نستطيع أن نتعلم منه وأن نستخلص منه الدروس والعبر. وهنا يتبادر إلى الذهن قوله سبحانه وتعالى:

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا «تَحْزَنُوا» عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران: 153]

فالإنسان الواعي لا يعيش أسيراً لما فاته، ولا يستهلك طاقته في الندم على ما مضى، وإنما يتأمل تجاربه ليستفيد منها ويحوّلها إلى وقودٍ يدفعه نحو مستقبلٍ أكثر ازدهاراً وانجازاً.

لذا فدعوتي لك للعودة بالذاكرة إلى الوراء وتحديد ما كنت تتمنى أنك قد أنجزته، لا لتعيش في الماضي وتحزن على ما فاتك، بل لأن ما تتمنى أنك قد أنجزته بالأمس قد يكون هو نفسه ما ينبغي عليك أن تبدأ بالتخطيط لإنجازه هذا العام الهجري وخصوصاً أننا في بدايته.

فالإنسان كثيراً ما ينشغل بتفاصيل الحياة اليومية حتى يفقد الاتصال بالصورة الكبرى لحياته. وعندما يتوقف للحظات ويتأمل ما الذي كان يتمنى أن يحققه، فإنه في الحقيقة لا يستحضر الماضي، بل يكتشف مستقبله. إن تلك الأمنيات التي ظهرت في ذهنك قبل قليل ليست مجرد خواطر عابرة، بل هي إشارات إلى ما يراه قلبك وعقلك مهماً وجديراً بالاهتمام فعلاً.

ولهذا أدعوك أن تكتبها، وأن تمنحها حقها من التأمل والتفكير، لأن ما يُكتب يصبح أوضح، وما يصبح أوضح تزداد فرص تحقيقه.

ولمساعدتك في ذلك، أعددت لك هذه الأسئلة، فياليت تحضر دفتر وقلم وتكتب اجاباتك:

1. المستوى الشخصي والمهني: ما الذي تتمنى أنك قد أنجزته؟ وإذا كنت متقاعداً، فما هو الشيء الذي تتمنى أنك عملته وترغب أن تتركه بعد رحيلك عن هذه الدنيا بعد عمرٍ طويل إن شاء الله؟

2. المستوى الأسري: ما الذي تتمنى أتكون علاقتك بوالديك وبإخوانك وأخواتك بزوجتك «بزوجكِ» وأولادك؟

3. المستوى الاجتماعي: ما الذي كنت تتمنى أن تتركه في حياة أقرباؤك أو مجتمعك أو على أفراد من مجتمعك؟

روي عن أمير المؤمنين عليٍ :

”يُسْتَدَلُّ عَلَى فَضْلِكَ بِعَمَلِكَ وَعَلَى كَرَمِكَ بِبَذْلِكَ“

والآن، أدعوك لإغماض عينيك مرة أخرى ثم تتخيل أنك بالفعل قد حققت كل ما كنت ترغب في تحقيقه، فما هي الأفكار والمشاعر التي أحسست بها؟ وما هو السلوك الذي رأيته قد حقق لك ما تريد؟

ولعل السؤال الأهم ليس:

ماذا شعرت عندما رأيت نفسك وقد حققت تلك الإنجازات؟ بل:

• من هو الإنسان الذي استطاع تحقيقها؟
• هل كان أكثر انضباطاً؟
• أكثر وعياً؟
• أكثر صبراً؟
• أكثر إيماناً؟
• أكثر اهتماماً بعلاقاته؟

إن الإنجازات العظيمة لا تبدأ بتحقيق الأهداف، بل تبدأ ”ببناء الإنسان“ القادر على تحقيق تلك الأهداف. فالمستقبل الذي رأيته قبل قليل ليس مجرد صورة لما ستفعله، بل هو صورة لما ”ستصبح عليه أنت“، وهنا تكمن قوة مبدأ:

”ابدأ والمآل في ذهنك“.

فكل قرار تتخذه اليوم، وكل عادة تمارسها، وكل كلمة تقولها، إما أن تقربك من ذلك المآل أو تبعدك عنه.

ولهذا اسأل نفسك كل صباح:

هل ما أفعله اليوم يقودني إلى الحياة التي أتمنى أن أعيشها؟

وتذكراً دائماً ما روي عن أمير المؤمنين عليٍ :

”عَلَيْكَ بِإِدْمَانِ الْعَمَلِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ“

عزيزي القارئ

بكل تأكيد أننا لن نستطيع تغيير الماضي، لكننا نستطيع أن نجعله معلماً وملهماً ومحفزاً نستقي منه الدروس والعبر لنرسم طريقنا نحو النجاح والنمو المستدام. وقد لا نملك ضمان الوصول إلى كل ما نحلم به، لكننا نملك أن نعيش اليوم بطريقة تجعلنا أقرب إلى ذلك المآل. فابدأ من حيث أنت، وبما تملك، واجعل المآل الذي تتمناه حاضراً في ذهنك، ثم اتخذ اليوم خطوة واحدة نحوه.

”فالأحلام العظيمة لا تتحقق بقفزات كبيرة، وإنما بخطوات صغيرة تتكرر كل يوم“

ودمتم موفقين