عاشوراء… جسر الوعي الإنساني بين المسلمين والمسيحيين
حين نتحدث عن نهضة الإمام الحسين
فإنّنا لا نتحدث عن حدثٍ تاريخي يخص المسلمين وحدهم، ولا عن واقعةٍ مرتبطة بزمانٍ أو مكانٍ محدد، بل عن مشروع إنساني عالمي يجسّد قيم الحرية والكرامة والعدالة ورفض الظلم. ولهذا نجد أنّ رسالة كربلاء تجاوزت حدود الانتماءات الدينية والمذهبية لتلامس ضمير الإنسان أينما كان، مسلماً كان أم مسيحياً أم من أتباع أي ديانة أخرى.
لقد أكد القرآن الكريم على وجود مساحة مشتركة للحوار والتعاون بين أتباع الأديان السماوية، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]. وهذه ”الكلمة السواء“ تمثل قاعدة للتلاقي حول القيم الكبرى التي جاء بها الأنبياء جميعاً، ومنها نصرة الحق ومواجهة الباطل والدفاع عن المظلوم.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى ثورة الإمام الحسين
باعتبارها امتداداً لرسالات الأنبياء جميعاً، فقد أعلن
هدف نهضته بقوله: ”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي“. فالإصلاح ومقاومة الفساد قيم إنسانية مشتركة تؤمن بها الشرائع السماوية كافة.
عبر التاريخ أبدى العديد من المفكرين والأدباء المسيحيين إعجابهم الكبير بالإمام الحسين
، لأنهم رأوا في كربلاء نموذجاً للتضحية من أجل المبادئ. ولعل من أشهرهم الأديب المسيحي اللبناني جبران خليل جبران الذي عبّر عن إعجابه بعظمة التضحية الحسينية، وكذلك أنطوان بارا الذي ألّف كتابه الشهير ”الحسين في الفكر المسيحي“، مؤكداً أنّ الإمام الحسين
يمثل ضمير الإنسانية الحرة.
إنّ المسيحي حين يتأمل في موقف الإمام الحسين
يرى إنساناً رفض الخضوع للطغيان، وضحّى بنفسه وأهل بيته
من أجل الحق، وهي معانٍ تتقاطع مع القيم التي يدعو إليها الإنجيل في نصرة المظلوم وإعلاء شأن العدالة والمحبة والتضحية.
أمّا في التراث اليهودي، فإن الأنبياء الذين ورد ذكرهم في العهد القديم دعوا إلى مقاومة الظلم وإقامة العدل بين الناس، وهي ذات القيم التي جسّدها الإمام الحسين
في نهضته. ومن هنا فإنّ المتأمل المنصف يجد أنّ كربلاء ليست صراعاً بين طائفتين أو جماعتين، بل موقفاً أخلاقياً بين الحق والباطل، وبين الكرامة والاستبداد.
إنّ الوعي اليوم مطالب بأن ينقل عاشوراء من دائرة الانفعال العاطفي فقط إلى دائرة الفهم الحضاري والإنساني. فبدلاً من أن تكون كربلاء سبباً للانغلاق، يمكن أن تكون منطلقاً للحوار والتفاهم بين المسلمين والمسيحيين وسائر أتباع الأديان.
ويتحقق ذلك من خلال:
1. التركيز على القيم المشتركة كالعدالة والرحمة والحرية وكرامة الإنسان.
2. إقامة الحوارات الثقافية والفكرية التي تبرز البعد الإنساني العالمي لنهضة الإمام الحسين
.
3. تقديم الإمام الحسين
بوصفه رمزاً للإصلاح الإنساني، لا رمزاً خاصاً بفئة دون أخرى.
4. الابتعاد عن الخطابات التي تؤجج الخلافات الدينية والتركيز على المشتركات التي تخدم الإنسان والمجتمع.
وقد ورد عن الإمام الحسين
قوله الخالد يوم عاشوراء: ”إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم“، وهي كلمة تخاطب الضمير الإنساني قبل أن تخاطب المنتمي إلى دين معين، ولذلك بقيت حية في وجدان الأحرار على اختلاف معتقداتهم.
إنّ الوعي الحسيني الحقيقي لا يكتفي بإحياء ذكرى عاشوراء، بل يسعى إلى استثمارها في بناء جسور التواصل بين البشر. فالإمام الحسين
لم يضحِّ من أجل جماعة بعينها، وإنّما من أجل أن تبقى قيم الحق والعدل حية في ضمير الإنسانية. وكلّما ازداد المسلم والمسيحي وعياً بهذه الحقيقة، تحوّلت كربلاء من ذكرى تاريخية إلى مدرسة عالمية للحوار والتعايش وصناعة الإنسان الحر الذي يقف مع الحق أينما كان، ويواجه الظلم مهما كان مصدره.













