آخر تحديث: 4 / 7 / 2026م - 11:29 م

ما الذي تعنيه القبلة حقًا؟

عن كينونة التقبيل

وجدان الياسين *

"My lips, two blushing pilgrims, ready stand

To smooth that rough touch with a tender kiss." - مسرحية روميو وجولييت

- لوليام شكسبير

في هذا المشهد من مسرحية روميو وجولييت، يرسم شكسبير لحظة اللقاء الأولى بين الحبيبين، حيث لا تأتي القبلة بوصفها فعلًا عابرًا، بل بوصفها لغة بديلة تتكثف فيها المشاعر قبل أن تُقال.. كأن الجسد هنا يسبق الكلام، وكأن البساطة الظاهرة تخفي ثقلًا عاطفيًا لا يُقال مباشرة.. ومن هذه اللحظة تحديدًا، يبدأ النص في فتح سؤال أوسع: كيف يمكن لفعل صغير بهذا الشكل أن يحمل هذا التعدد في المعنى؟

تشير أقدم الشواهد المكتوبة المتاحة إلى أن فعل التقبيل كان معروفًا في حضارات قديمة مثل بلاد الرافدين والهند القديمة منذ ما يقارب 1500 إلى 2000 قبل الميلاد. ولم يكن محصورًا بالمعنى الرومانسي، بل ظهر أيضًا بوصفه تحية اجتماعية وسلوكًا تواصليًا بين الأفراد.

والقبلة بحد ذاتها، كما مدلولاتها، تختلف باختلاف الثقافات. وكما ورد في مجلة جسد للكاتبة جمانة حداد، فقد كانت عند بعض الأفارقة القدماء مصدر رعب، باعتبارها قد تُفقد الإنسان روحه.. أما عند الرومان، وبالأخص في الليلة الأولى من الزواج، فكانت تُعد مشاركةً لنَفَس الحياة؛ إذ يقوم أحدهما بإلصاق شفتيه بالآخر واستنشاق أنفاسه، لأن الهواء كان يُنظر إليه بوصفه عنصر الحياة.

وفي الثقافة الصينية كان تبادل القبل يُعد فعلًا مخزيًا وذا طابع جنسي فاضح، بينما نظرت إليه بعض قبائل البابو في غينيا بوصفه سلوكًا ساذجًا ومثيرًا للسخرية. واللافت أن ما يُعد تمهيدًا لعلاقة كاملة في ثقافة ما، قد يُنظر إليه في ثقافة أخرى باعتباره تعبيرًا رمزيًا عن الحب أو بداية شرارته.

وفي عالم السينما تطورت القبلة في تموضعها ومفاهيمها. فقد واجهت معارضة في بداياتها، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى إحدى العلامات البصرية الأكثر شيوعًا للتعبير عن الحب والانجذاب. وقد صرحت الممثلة بولا نيغيري بأن «القبلة في المشاهد الصامتة يمكن أن تكون متعة ديمقراطية، ويجب أن تكون في متناول الجميع؛ فهي قد تكون بتولة وخجولة، متعجرفة وعذبة، حارقة وشهوانية».

وفي بعض الأعمال السينمائية الأخرى، تُقدَّم القبلة بوصفها فعلًا بالغ الخصوصية وعسير المنح. فهي لا تسلب الروح كما تخيّل بعض الأفارقة القدماء، بل تبدو جزءًا منها. ففي فيلم Pretty Woman كانت البطلة تمنح جسدها للغرباء، لكنها تمتنع عن منحهم قبلة، باعتبارها تحمل لديها معنى أعمق من العلاقة الجسدية نفسها. ولعل هذه المفارقة تطرح سؤالًا مثيرًا للاهتمام: كيف يمكن لفعلٍ أقل جسدية أن يحمل رمزية أكبر من فعلٍ أكثر حميمية؟ عمليًا، قد يبدو منح الجسد أقرب إلى وهب الذات، ومع ذلك تُقدَّم القبلة هنا بوصفها التعبير الأشد خصوصية، وكأن قيمتها لا تنبع من طبيعتها الجسدية بقدر ما تنبع من المعنى الذي يمنحه لها أصحابها. فالقبلة هنا ليست مجرد تماس جسدي، بل علامة على القرب العاطفي والانتقاء الشخصي.

كانت جمانة حداد تشير في مضمون حديثها إلى صعوبة تحديد أهم قبلات السينما؛ فأي قبلة هي الأكثر أثرًا أو شهامة أو حضورًا أو سياسة أو حنكة؟ وأيها كانت الأكثر فشلًا أو رعونة؟ لعل الإجابة تكمن في أن القبلة لا تحمل معنى ثابتًا، بل تستمد دلالتها من سياقها ومن مشاعر أصحابها.

ولذلك أصبحت القبلة حضورًا متكررًا ومعلنًا في الثقافة البصرية المعاصرة، بينما ظل معناها الحقيقي عصيًا على التحديد. فهي عند البعض وعدٌ بالحب، وعند آخرين مجرد عادة اجتماعية، وقد تكون فعلًا حميميًا بالغ الخصوصية أو إشارة عابرة لا تتجاوز لحظتها. وبين كل هذه المعاني المتباينة، تبقى القبلة واحدة من أكثر الإشارات الإنسانية قدرةً على حمل ما لا تستطيع الكلمات قوله.

لوحة للفنان الإيطالي كوسروى دوسي والتى رسمها عام 1838 عن قصة روميو وجولييت