الظل الذي لا يرى.. والأثر الذي لا يمحى
في طفولتنا، لم نكن نعرف معنى التضحية، ولا حجم المسؤوليات التي يحملها الآباء فوق أكتافهم. كنا نظن أن البيت الواسع أمر طبيعي، وأن الطعام الذي ينتظرنا على المائدة كل يوم حق مكتسب، وأن النوم مطمئنين تحت سقف آمن هو جزءًا من قوانين الحياة التي لا تتغير.
كبرنا لاحقًا، واكتشفنا أن خلف كل تلك التفاصيل الصغيرة رجلًا كان يستيقظ قبلنا وينام بعدنا، يحمل همومه بصمت، ويخفي تعبه خلف ابتسامة حتى لا يعكر صفو طفولتنا.
في اليوم العالمي للأب، لا أتذكر الهدايا ولا المناسبات بقدر ما أتذكر المواقف التي صنعت في داخلي معنى الفخر.
عندما كنت في المرحلة الابتدائية، كانت التقنية يومها مختلفة تمامًا عما نعرفه اليوم. لم تكن الهواتف الذكية ولا منصات التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا. كان امتلاك كاميرا فيديو من نوع «سوني» حدثًا استثنائيًا يثير إعجاب الجميع.
أتذكر أن مدرستي كانت تنظم حفلات مسرحية بسيطة لا تتجاوز الساعتين، تتخللها كلمة لمدير المدرسة وأناشيد وعروض يقدمها الطلاب. وكانت المدرسة ترسل دعوة رسمية داخل ظرف مختوم إلى والدي، تطلب منه الحضور لتصوير تلك الفعالية.
لم أكن أدرك حينها قيمة الأمر، لكنني كنت أشعر بسعادة لا توصف وأنا أحمل ذلك الظرف إلى المنزل. كنت أرى والدي يستعد لتلك المهمة بكل اهتمام، يحمل كاميرته ويقف بين الحضور يوثق لحظات المسرح والطلاب والمعلمين.
كنت أراقبه من بعيد وأشعر بشيء مختلف. لم يكن مجرد أب يعمل في شركة أرامكو ويعود إلى منزله نهاية اليوم. كان يمتلك مهارة جعلت المدرسة تعتمد عليه في توثيق الفعاليات آنذاك. كان شخصًا له حضور واحترام خارج حدود المنزل.
وبعد انتهاء كل فعالية، كان مدير المدرسة يطلب حضوره لتسليمه شريط الفيديو وشكره على جهوده، بل ومنحه شهادة تقدير عرفانًا بما قدمه.
حينها لم أكن فخورًا فقط بتفوقي الدراسي، بل كنت فخورًا بأبي نفسه. كنت أشعر أنني أحمل اسم رجل مميز، وأن وجوده منحني شيئًا أكبر من النجاح الدراسي، منحني شعورًا بالاعتزاز والانتماء.
أما الموقف الثاني فما زال محفورًا في ذاكرتي رغم مرور السنين.
كنت في المرحلة الثانوية، وقد حققت المركز الأول في الفصل الدراسي الأول. وفي أحد الأيام تلقى والدي اتصالًا من إدارة المدرسة أثناء وجوده في العمل، كان الأمر مفاجئًا، بل ومقلقًا. فاستدعاء ولي الأمر في ذلك الوقت لم يكن يحمل في الغالب أخبارًا مطمئنة.
حضر والدي إلى المدرسة وهو يتساءل عن السبب، بينما كنت أنا بدوري أجهل ما الذي يحدث. وعندما دخلت غرفة المدير وجدته جالسًا إلى جانب وكيل المدرسة ووالدي.
هناك كشف المدير عن سبب الاستدعاء.
لم يكن هناك خطأ ارتكبته، ولا مشكلة تستدعي القلق. بل كانت دعوة لتكريمي على تفوقي الدراسي، وتكريم والدي على دعمه ورعايته واهتمامه. فلقد كانت المفاجأة مزدوجة.
أنا لم أكن أعلم، ووالدي لم يكن يعلم أيضًا.
أتذكر نظرة الفرح في عينيه أكثر مما أتذكر شهادة التكريم نفسها. كانت لحظة أدركت فيها أن بعض الآباء لا يبحثون عن الجوائز لأنفسهم، بل يجدون أعظم جوائزهم في نجاح أبنائهم.
ومع تقدم العمر نفهم حقيقة لم ندركها ونحن صغار، أن الأب لا يقاس بما يملكه، بل بما يتركه في نفوس أبنائه. فهناك آباء يرحلون وتبقى منازلهم شاهدة على وجودهم، وهناك آباء تبقى قيمهم ومواقفهم وأخلاقهم حية في أبنائهم جيلًا بعد جيل.
في اليوم العالمي للأب، لا يكفي أن نقول شكرًا. فبعض الكلمات أصغر من أن تصف رجلًا أفنى سنوات عمره ليمنح أبناءه حياة أفضل مما عاشها هو.
هنيئًا لمن ما زال أبوه بقربه، يسمع صوته ويقبل رأسه ويشاركه تفاصيل أيامه.
وهنيئًا لكل أب جعل من نجاح أبنائه مشروع عمره، ومن سعادتهم أعظم إنجازاته.
فالأب ليس مجرد رجل في الأسرة.. بل وطن صغير نسكنه قبل أن نعرف معنى الأوطان.













