من يقرع الجرس حقًا؟
بدأت حكايتها بابتسامة مترددة، كأنها تُسمّي الخوف بصوتٍ مسموع.
كنتُ أنصت، بينما الحكايات تُروى أمامي؛ حكايات نساءٍ وقفن عند العتبة الأولى من تشخيص اسمه السرطان.
ألم يجدوا اسمًا أقل حدّة؟ مثل: الخلايا المشاكسة.
لم يكن الحديث عن الألم بعد، بل عن تلك اللحظة التي تسبق كل شيء:
لحظة أن يُقال لك إن الحياة ستنقسم إلى «قبل» و«بعد».
في تلك المنطقة التي أحب أن أسميها «ما قبل الألم»، يبدأ الخوف بصورته الأكثر صدقًا.
وهنا تحديدًا يتجلى ما نغفله كثيرًا: أن المريض لا يحتاج إلى خطة علاج جسدية فقط، بل إلى تهيئة نفسية تسبقه.
ولعل ما يجعل هذه التجربة أكثر كثافة أنها لا تغيّر الجسد فقط، بل تغيّر طريقة رؤية العالم.
السؤال الأهم: هل نترك المريض وحيدًا أمام هذا الوضوح؟
أم نُهيّئه نفسيًا ليعبره دون أن ينهار تحته؟
ما سمعته في لقائي مع مريضات السرطان لم يكن شكوى بقدر ما كان وعيًا متأخرًا:
دخلنا العلاج دون أن نُهيَّأ له من الداخل.
ومن هنا أؤمن أن اللغة نفسها يمكن أن تكون جزءًا من العلاج.
ربما نحتاج ولو مؤقتًا إلى أن نُعيد تسمية المرض، لا لننكر ثقله، بل لنمنح المريض مساحة أرحب للاحتمال.
كأن نسميه، في سياق الدعم النفسي: «مرض الخلايا المشاكسة».
تشير دراسات في علم الأورام النفسي إلى أن الدعم النفسي المبكر قبل العلاج يرتبط بتقليل القلق، وتحسين التكيّف، ورفع الالتزام بالخطة العلاجية.
كأن النفس، حين تُؤخذ بجدية، تصبح جزءًا من الشفاء لا هامشًا له.
في المملكة العربية السعودية، تُقدَّم رعاية صحية متقدمة، وتُبذل جهود كبيرة في خدمة مرضى السرطان، والسؤال هنا:
هل نبدأ مع المريض من حيث يبدأ الألم، أم من حيث يبدأ الخوف؟
ما يحتاجه المريض أحيانًا ليس أكثر من أن يُفهَم قبل أن يُعالَج.
أن يُقال له: هذا ما قد تشعر به... وهذا كيف يمكن أن تعبره.
وأنا أستمع، عاد ذلك الصوت مرة أخرى؛ أوضح هذه المرة.
جرسٌ يُقرَع في نهاية العلاج، حين يعلن المريض عبوره إلى جهة أخرى من الحكاية.
لكنني فكّرت:
من يقرع الجرس فعلًا؟
هل هو من أنهى العلاج، أم من صمّم له بدايةً لم تكسره؟
ربما حين نُعيد تسمية الخوف... نُقصّر المسافة إلى صوت الجرس.
وهنا لا يصبح الدعم النفسي خيارًا إضافيًا، بل بداية الطريق.
ومضة:
لا يبقى إلا أثرٌ من الحكاية.













