آخر تحديث: 20 / 6 / 2026م - 9:46 م

المستمع وأهمية التفكير النقدي

أ. د. حيدر أحمد اللواتي *

مع إشراقة هلال شهر محرم الحرام من كل عام، ترتدي الحواضر الشيعية سواد الأسى، وتتحول المنابر الحسينية إلى شريان فكري وروحي يتدفق بالمعارف والعلوم والآراء المتنوعة، وفي غمرة هذا العطاء المعرفي الهائل الذي يملأ الساحة، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة التعاطي الواعي مع ما يطرحه الخطباء من على المنبر؛ فهل دور المستمع هو مجرد التلقي السلبي لخطاب موحد منسوج من رؤية أحادية، أم أن تنوع المدارس المنبرية يفرض بالضرورة نمطًا حتميًا من الوعي النقدي؟ إن إحياء قضية كربلاء ليس مجرد استدرار لعاطفة مجردة أو بكاء عابر، بل هو حراك فكري وثقافي متجدد يتطلب من الحاضرين إيقاظ ملكة التفكير الناقد لفحص الأدلة، والموازنة بين القرائن، وتكوين القناعات الرصينة بشكل مستقل، بدلًا من لعب دور الوعاء المستسلم للمعلومات الجاهزة.

ولعل خير نموذج يتجلى فيه هذا التباين المثري والعميق الذي يدعو لإعمال العقل، هو المقارنة بين أطروحتين لمنبرين متميزين تناولا ذات المنطلق الروائي للعزاء الحسيني، لكن بزوايا نظر ومنهجيات مختلفة تمامًا، يمثلهما علمان من أعلام المنبر المعاصر؛ أولهما الشيخ الدكتور إسماعيل المشاجرة، حيث قام سماحته بتتبع الجذور التاريخية لإقامة العزاء الحسيني في العشر الأُوَل من محرم الحرام، وعرضها على مشرحة النقد والتوثيق العلمي، مستعينًا بأدوات المقارنة وغربلة المسارات الزمنية لظهور العادات المذهبية، وذلك في محاضرته الملقاة في الليلة الثانية من محرم الحرام لعام 1446 هـ، وثانيهما السيد ضياء الخباز، والذي ركز خطابه المنبري على البعد الفقهي الاستدلالي والتأصيل العقائدي لإقامة العزاء على سيد الشهداء طيلة شهري محرم وصفر، بل وحتى التاسع من ربيع الأول، وذلك في محاضرته التي ألقاها قبل عدة سنوات بتاريخ 17 محرم الحرام لعام 1439 هـ.

كلا المحاضرين استعان بنص الإمام الرضا في وصف حال أبيه الكاظم مع دخول المحرم، حيث ورد عنه أنه قال: «كَانَ أَبِي إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكًا، وَكَانَتِ الْكَآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكَائِهِ، وَيَقُولُ: هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ». لكن المحاضرين الجليلين طرحا قراءتين مختلفتين، وخرجا بنتيجتين تراءت لي أنهما مختلفتان كل الاختلاف؛ فالشيخ إسماعيل المشاجرة يسير بالمستمع في رحلة تحقيقية تاريخية ممتشقًا أدوات البحث العلمي الصارم، حيث يفكك عنوان العشرة الأولى كظاهرة زمنية، ويمتلك الشجاعة والموضوعية العلمية ليصرح بأنه، من الناحية التوثيقية، لا توجد نصوص روائية أو تاريخية تثبت تديُّنَ والتزامَ عموم جمهور الشيعة بإقامة مجالس رتيبة ومستمرة طوال العشرة الأولى في زمن الأئمة، مبينًا أن هذا العرف بملامحه العامة تبلور وتكامل في قرون متأخرة، كعهد السيد ابن طاووس في القرن السابع الهجري، ثم في العهد الصفوي لاحقًا. وفي المقابل، ينقل السيد ضياء الخباز بالمستمع إلى فضاء التأصيل الفقهي الممتد عبر شهري محرم وصفر بالكامل، مستندًا إلى فتاوى الفقهاء وسيرتهم العملية في لبس السواد؛ فهو لا يقف عند غياب النص التاريخي في العصور الأولى، بل يؤصل لشرعية واستمرارية هذا الحداد الطويل عبر صناعة الاستدلال ب«سيرة المتشرعة» المتصلة خلفًا عن سلف، فيستدل بأقوال مراجع عظام كالسيد الخوئي «ت 1992 م»، والحكيم «ت 1970 م»، والميرزا محمد تقي الشيرازي «ت 1920 م» كدليل كاشف عن رأي المعصوم، رابطًا هذا الامتداد الزمني بضرورة إحياء الدور الزينبي الذي تفجر طوال فترة السبي كشريك مكمل ومتمم للدور الحسيني الذي انتهى ميدانيًا بيوم عاشوراء.

أمام هذا التباين الواضح في قراءة الشعيرة ومداها الزمني، يجد المستمع اللبيب نفسه أمام محك فكري حقيقي، إذ تندك فرضية التلقي السلبي ليحل محلها وجوب ممارسة التفكير الناقد؛ فحينما يستمع المرء لهاتين الرؤيتين، يصبح لزامًا عليه ألّا يتبنى رأيًا لمجرد ميل عاطفي أو إعجاب بشخص الخطيب، بل يتعين عليه أن يمارس دور الغربلة والمقارنة. إن المستمع الواعي في هذه الحالة يتأمل الأدلة المعروضة، فيوازن بين ندرة النصوص التاريخية للعشرة الأولى في العصور الأولى التي كشف عنها التحقيق التاريخي للمشاجرة، وبين حجية سيرة المتشرعة وقوة القرائن الروائية الأخرى كحديث نزع السواد في التاسع من ربيع الأول. إن هذا الجهد العقلي هو الذي يصنع الفارق، ويجعل من المستمع عنصرًا فاعلًا يبني قناعته المستقلة المبنية على الحجة والبرهان الناصع.

إن تنوع الخطباء واختلاف مناهجهم في تناول مواضيع مرتبطة بالفكر الديني في موسم محرم الحرام هو ظاهرة صحية وعلامة حيوية تعكس ثراء الفكر وقدرته العالية على استيعاب المناهج المتعددة، ولذلك فإن المسؤولية الفكرية تحتم على رواد المجالس الحسينية أن يقبلوا على هذا التنوع بروح متوثبة وعقول ناقدة، ومن خلال هذا التعاطي المشروط بالوعي والنظر الدقيق في القرائن، يتحقق الهدف الأسمى للمنبر الحسيني، فتتحول الدمعة الباكية إلى فكرة واعية تحمي فكر الأمة وتصون عقيدتها من الركود والجمود المعرفي.

بروفيسور في الكيمياء وأكاديمي بجامعة السلطان قابوس
كلية العلوم - جامعة السلطان قابوس