آخر تحديث: 21 / 6 / 2026م - 9:36 م

قاضٍ بلا بدلة ولا راتب

أمجد القواعين

لاحظت، - ونادرًا ما ألاحظ -، أنني صرت أشغل وظيفة مرموقة لم أتقدم لها بطلب، ولم يُجرَ لي اختبار توظيف، ولا حتى مقابلة شخصية: قاضٍ في محكمة مصائر الآخرة، بدوام كامل، بلا عقد، بلا تأمين طبي، ولا حتى استراحة غداء. لا أعرف من وقّع قرار تعييني، لكني أمارس الوظيفة هذه الأيام بثقة من قضى عمره يدرس في أعرق الجامعات، كلما مرّ أمامي مقطع فيديو لشخص لا أعرفه، يؤدي شعيرة لا أعرف تفاصيلها ولا مرجعها، أرفع إصبعي على الشاشة، وأهبط بحكم نهائي بلا استئناف: هذا كافر، هذا مشرك، هذا من أهل النار، ثم أغلق التطبيق وأذهب لأشرب قهوتي، مرتاح البال كأنني أنهيت اجتماع مجلس إدارة ناجحًا.

والمضحك أن هذه ”المحكمة“ لا تطلب شهادة في الشريعة، ولا سنوات من طلب العلم، ولا حتى معرفة الفرق بين العقيدة والعادة. يكفيني مقطع من عشر ثوانٍ أو خمسة عشر، مقطوع من سياقه، مصحوب بتعليق غاضب من حساب اسمه شيء من نوعية ”الحق_واضح 2008“، لتشتعل الكهرباء في عقلي، وأتحول فجأة إلى عضو في لجنة تحكيم برنامج مواهب، أستبعد المتسابق من أول نغمة ناشزة، دون أن أسمح له حتى بإكمال الكوبليه الأول، رافعًا لوحتي بكل ثقة، وأنا أعلم في قلبي أن لجنة التحكيم الحقيقية يوم القيامة لن تستشيرني، ولن تطلب رأيي في الأداء ولا في الإحساس بالكلمة.

وفي أيام أخرى، أتقمص دور حكم كرة القدم، أشهر البطاقة الحمراء من أول إعادة بزاوية غير واضحة، في غرفة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار، دون أن أطلب حتى تقنية الفيديو المساعد، لأن عندي قناعة عجيبة أن غضبي أدق من أي كاميرا، وأن هاتفي يملك صلاحية الفصل بين أهل الجنة وأهل النار بدقة أعلى من بكسلات شاشته.

تذكرت هنا حديث النبي ﷺ الذي يحذّر من قول الرجل لأخيه ”يا كافر“، فإن لم يكن كما قال رجعت عليه هو، فتوقفت لحظة، وتساءلت: كم مرة رجعت عليّ أحكامي وأنا لا أشعر؟ وتذكرت أن علماء كبارًا، على اختلاف مذاهبهم، تورعوا عن إطلاق هذا الوصف حتى على من خالفهم في تفاصيل دقيقة، بينما أنا أطلقه بسهولة من على أريكتي، بضغطة إصبع، وبلا حتى إنترنت سريع يكفي لتحميل الفيديو كاملًا قبل إصدار الحكم.

الصراحة - ونادرًا ما أكون صريح - تخيلت نفسي أمام لجنة استماع مكونة كلها من حسابات اسمها يبدأ بـ ”الحق_واضح“، ويا للمفارقة، يحاكمونني بتهمة… التسرع في الحكم على الناس.

الغريب أننا في زمن صارت فيه ”المحكمة“ مفتوحة على مدار الساعة، يدخلها كل من يحمل هاتفًا ورصيد بيانات، فيتحول كل خلاف ديني إلى مادة استعراضية، نتنافس فيها على من يصدر الحكم الأشد، كأننا في مباراة لا جائزة فيها سوى الإعجابات، وعلامة ”التحقق الزرقاء“ التي لم تأتِ ولن تأتي.

في النهاية، لا أظن أن محكمة الآخرة تحتاج متطوعين، فالمنصب محجوز لربٍّ واحد لا يشاركه أحد، والراتب غير مدفوع، وأنا حتى الآن لم أستلم بطاقة هوية ”قاضٍ معتمد“. فلأقدم استقالتي من وظيفة لم أُعيّن فيها أصلًا، وأتذكر أن مصير الناس عند ربهم لا عند شاشتي - أنا عديم القراءة -، وأن أفضل دور أستطيع لعبه هو مواطن يحسن الظن، لا قاضٍ يوزّع الجنة والنار مجانًا بين فيديوهات الريلز.