قلب إبراهيم… خروج من الأنا
النفس أضحية لله..!
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 99-112]
هنا بدأ مقام التجرد.
لم يكن إبراهيم يقدم ابنه، بل يقدم نفسه.
يذبح تعلقه،
ويخرج من أناه،
ويرفع إلى الله أغلى ما في وجوده.
كان يمشي وفي قلبه سؤال لا يقال:
* هل يسعني أن أرفع إليك يا رب ما وهبتني؟
وكان الجواب ينبض في داخله:
* إنما أريد قلبك، لا ابنك.
فتجرد… وخرج من نفسه… وتخلى عما يملكه ليبقى لمن يملكه.
ليس يسيرًا كما نظن، وليس مألوفًا بالمقدار الذي تعبر به قلوبنا على كلمات الله، وهي تأمر شيخًا بذبح ابنه، وهو يحمل عمرًا ينثال منه، أفناه، وأضناه، وأتعبه طول الضراعة لربه أن يهبه له، أن يغمر قلبه بحضوره، أن يتكئ عليه ضعفه، أن يسعى معه السعي كله، بل أن يسعى ببره له.
التفاصيل غافية حاضرة، بات كل شيء يخبر عن إسماعيل: حين جاء بضياء وجهه، برقته، بنعومة أطرافه، بجمال عينيه. كانت السماء رتقًا وحنانًا ورحمةً على إبراهيم وهاجر.
كم هو مؤلم السلب بعد العطية.
والأشد ألمًا أن تكون التضحية بمن يحمله قلبك بتمامه، وبوجوده كله.
هذا الجزء المعتم من التضحية الفريدة التي لم يسبق إليها أحد غيره؛ أضحية بشرية جليلة الطهر، باسقة الجمال، رفيعة العفاف، نقية، عذبة.
أن تبذل غير ذاتك، وأن تضحي بمن هو أسمى من قلبك في قلبك، الروح التي تشبه روحك.
من كل مكان كان يتألم قلب إبراهيم.
ثمة مقاييس لا تطالها أفهامنا، ولا تبلغ يقينها قلوبنا.
هذا هو إبراهيم برعشة الضعف والوهن، يخبر جليل الطهر والجمال إسماعيل بصوت متناغم متحد لا انفصال فيه:
إن الله يريده مذبوحًا على صخرة تنتظر دمه بعيدة فوق جبل بعيد.. ليشهد على أنه أطهر قربان يرفع لربه.
أما إسماعيل، فقلب لم يكن يرى في الذبح موتًا، بل رجوعًا لولي النعمة وواهب الحياة. ولم يرَ في السكينة إليه استسلامًا للموت، بل يقظة لسر الوجود، وتحقق الزلفى عند ربه..!
قال لأبيه: يا أبتِ افعل ما تؤمر! يقين قلب يغيب عنه شهوده، بشهود ربه فيه..!
لم يكن الابتلاء ليأخذ إسماعيل، بل ليعيد إبراهيم إلى نقطة النور العظمى التي بدأ منها. ولم يكن الذبح ليفني غلامًا، بل ليحيي قلبين بتولٍّ به وفيه، فيظهر عليهما الجلال كله، والجمال بتمامه.
فالتجرد ليس أن تترك، بل في أن تعود إليه. والفداء ليس في أن تبذل، بل في أن ينكشف قلبك. والقرب ليس مسافة، بل حالًا يبلغه قلب من صدق الرؤيا.
ولما أُعطي إسماعيل، لم يكن العطاء ليقيده، بل ليرفعه.
فالأنبياء لا يتعلقون بالعطاء، بل يرون فيه سبيلًا إلى المعطي.
وفي لحظة التسليم…
وحين تُلَّ إسماعيل للجبين،
في تلك اللحظة التي لا تقاس بالزمن، ولا تدرك بالعقل، ولا يحيط بها وصف، ولا يبلغها خيال في أقصى مداه…
مشهد فائض عن الحواس كلها، ذات فقيرة تستسلم مختارة لأولها، بإرادة حرة.
هذا القلب وهذا الوعي لن ننال حقيقته، لن نبلغه، لن نقدر عليه، لن نحتمل بعضه.
نحن الجزعون من رقيق البلاء،
نحن الصارخون لقليل من الحرمان،
أو قليل من السلب،
أو بعض ألم يصيب الجسد.
أما إسماعيل فكان هناك…
في حياة أخرى لقلبه،
يرى ما لا نراه،
ويبصر ما نعجز عن رؤيته.
كانت كلماته أطهر من طهر قلوب الملائكة الصافين المسبحين:
«افعل ما تؤمر… ستجدني إن شاء الله من الصابرين».
وجه شيخ تنثال منه قوته،
وفي يده سكين من حديد،
مررها إسماعيل على صخرة صلدة لتُسْرِعَ في يد أبيه عند مرورها على نحره…
العنق اللجين،
العينان المتسعتان،
الفم الصامت إلا بذكر الله،
وقليل من عذوبة لفظ يسقي بها أذن أمه،
والوجه الذي يضيء بالجمال حين يجلس بين يدي هاجر، تنثر عليه يقين أملها، وتسند على قوته ضعفها.
وضعف إبراهيم الذي أناله الله هذه الأمنية، المحمولة على دموع عينيه في سبعين سنةً مكتملةً من عمره…
الأضحية بالبشارة التي حملتها الملائكة،
بالهبة المعلقة بالوعد الصادق المؤجل،
الأضحية بأجمل ما وهب، وأجل ما أعطى:
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾
هذا الحليم الرقيق الذي لم يكتمل تمام نضجه،
لم يبلغ جني ثماره،
ولا تباعد عن رقة وحنان طفولته.
وفي فيض الوعي، وفي بياض اللحظة…
يحول إبراهيم وجهه عن إسماعيل،
وعيناه ترتجفان،
وقلبه يحمل يقينه،
ويده تحمل سكينه.
لحظة تفتحت فيها السماء على يقين استحقاق السجود لآدم…
حين يحمل قلبًا كقلب إبراهيم وإسماعيل.
لحظة رفع الجبين للخلف… وانطفاء الأنا.
هنا يتوقف الزمن.
هنا يسقط كل ما سوى الله.
هنا يبلغ التجرد ذروته.
غابت الظلال، فظهر النور المطلق.
وغاب ظل الأنا، فظهر نور القرب.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾
وعيًا غير كل وعي،
ووجودًا غير كل وجود.
قلبان يتجردان،
وروحان يترقيان،
ونوران يلتقيان في سر القرب.
وعندما وضع الجبين على تراب الصخرة العمياء التي لا تبصر،
لم يكن هناك أب ولا ابن،
بل عبدان
يستسلمان لله.. أو يسلمان ذاتيهما إليه بتمامهما..
دون أن يستبقي أحدهما شيئًا فيها لغيره..!
لم يفقدا شيئًا، بل وجدا كل شيء.
يقول زين العابدين:
”من عرفك لم يخف فقدان شيء.“
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾
لم يكن الفداء لحفظ جسد، بل لكشف مقام.
لم يكن بدلًا، بل إشارة.
إشارة إلى أن:
من تجرد، قرب،
ومن قرب، تعالى وتسامى،
ومن رفعه الله..
رأى ما لا يرى.
ويقول زين العابدين
:
”إلهي، ماذا وجد من فقدك؟“
وإبراهيم وإسماعيل لم يفقدا، بل وجدا.
هذا قلب امتلك اليقين بتمامه..
قلبان يتجردان،
وروحان يترقيان،
ونوران يلتقيان في سر القرب.
وعندما وضع الجبين على تراب الصخرة العمياء التي لا تبصر،
لم يكن هناك أب ولا ابن،
بل عبدان
يستسلمان لله… أو يسلمان ذاتيهما إليه بتمامهما،
دون أن يستبقي أحدهما شيئًا فيها لغيره.
لم يفقدا شيئًا، بل وجدا كل شيء.
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾
لم يكن الفداء لحفظ جسد، بل لكشف مقام.
لم يكن بدلًا، بل إشارة.
إشارة إلى أن:
من تجرد، قرب،
ومن قرب، تعالى وتسامى،
ومن رفعه الله…
رأى ما لا يرى.
ويقول زين العابدين
:
”إلهي، ماذا وجد من فقدك؟“
وإبراهيم وإسماعيل لم يفقدا، بل وجدا.. الذي من وجده وجد كل شيء.. ومن فقده فقد كل شيء..!
لقد وجدا «الله».













