آخر تحديث: 19 / 6 / 2026م - 9:52 م

مصباح النور

أحمد منصور الخرمدي *

مجالسنا المباركة لعاشوراء الحسين ، تُجلي لنا بكل وضوح الرسالة الحسينية الإصلاحية الشريفة، وتحمل بُعدًا كبيرًا؛ إذ إنها رسالة سماء، بدأت بالكلمة الصادقة والموعظة الحسنة، فالرحمة والحكمة والكلمة الطيبة، والدعوة إلى مراجعة الضمير، التي قد تحيي قلبًا غافلًا فتنقذه من ضلال، فالقلب النقي هو ركيزة مقرونة بالإيمان واليقين.

ويؤكد خطباءُ المنابر الحسينية، أثابهم الله، وفي الوقت نفسه، أن صفحات التاريخ التي تروي قصص الأنبياء والرسل ، والقصص الأخرى التي نقرؤها، وربما نعيد قراءتها مرات عديدة، جميع أحداثها تمر دون أن يحدث لفكرنا هذا التوقف من الصدمة والدهشة أثناء سردها، أو أن يشدَّ الانتباهَ حدثٌ من أحداثها، وفي أحيانٍ كثيرة قد لا تلفتنا الأحداث أو حتى تستوقفنا!

لا يوجد حدث في العالم يصل إلى المستوى الذي وصلت إليه قضية استشهاد أبي عبد الله الحسين ، إذ يترقبُ الملايينُ هذه الذكرى المؤلمة من المسلمين وغير المسلمين، والناطقين بمختلف اللغات في جميع أنحاء الكرة الأرضية، ويولون هذه الشخصية اهتمامًا منقطع النظير من قراءة ودراسة وتحليل لشخصيته والحدث المفجع. لقد كان التكليف الإلهي لنبي الرحمة ﷺ لتبليغ رسالة السماء أعظم وأسمى الأولويات التي أفرد لها جل وقته وجهده الكريم منذ أن نزل عليه الوحي، ليبدأ بالتبليغ إلى آخر أيام حياته ﷺ.

فالمواقف التي تحدث عنها نبينا، نبي الرحمة ﷺ، والتي جمعت بينه وبين الإمام الحسين منذ الولادة الشريفة، جعلت منه الشخص الأكثر شبهًا به في معظم صفاته، كما أولى أهل بيته بالخصوصية في القرب منه، وأنهم جزءٌ لا يتجزأ من المكون الخاص لشخصه الطاهر ﷺ، كما تشهد بذلك العديد من الأحاديث، وأفرد سبطيه الحسن والحسين «عليهما السلام» بما لهما من مكانة رفيعة ومنزلة عظيمة، إلا أنه جعل للحسين منزلة أقرب إليه، حيث قال ﷺ: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا».

حمل الحسين همَّ الأمة وآلامها، وخطبه المباركة تحمل النصح والشفقة، وفيها كل الرجاء من الله سبحانه وتعالى للجميع بالنجاة، وفي أصعب الظروف وأشد اللحظات، لم يتخلَّ، بأرواحنا له الفداء، عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذكير الناس بالله عز وجل ورسوله ﷺ، وبمكانته من أهل بيت النبوة «عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم»، مؤمنًا، سلام الله عليه، بأن ذلك هو السبيل الأسمى للهداية والإصلاح.

إن كربلاء الحسين ، ليست حادثة تاريخية فحسب، بل ركبٌ متواصل من القيم والمواعظ، وقضية سوف تبقى تاركة للإنسانية إرثًا أخلاقيًا عظيمًا، تنبعث منها دروسٌ في الثبات، وسوف تبقى منارة متجددة تهدي السائرين إلى الطريق المستقيم، وإلى سبيل العدل والحكمة. لقد علَّم الإنسانية جمعاء بالله ورسوله ﷺ، وأرشدها إلى المنهج الصحيح، وسيبقى حتى قيام الساعة شاهدًا على أن الحق أغلى من الحياة، وأن الكرامة لا تُشترى ولا تُباع.