الحاج مكي جاسم العسيف... رجلٌ عاش الحسين خدمةً ووفاءً
أعرفه منذ نعومة أظفاري، فما كدت أفتح عيني على أجواء المجالس الحسينية حتى كان واحدًا من الوجوه المألوفة التي ارتبطت في ذاكرتي بالحسينية وخدمة الإمام الحسين
.
لم أكن أراه إلا هناك؛ عند باب الحسينية يستقبل القادمين، أو في المطبخ منشغلًا بخدمة المعزين، أو في زاوية من زوايا العمل التي لا يلتفت إليها كثير من الناس. أما الجلوس في وسط الحسينية أو في مقدمتها إلى جانب المنبر، فلم أره يومًا يحرص عليه أو يسعى إليه، وكأن قلبه اختار منذ زمن بعيد أن يكون في موقع الخدمة لا في موقع الظهور.
ولو أردت أن أصفه بكلمة واحدة لقلت: إنه رجل عشق الخدمة الحسينية حتى النخاع. رجل ذاب في خدمة المجلس الحسيني سنوات طويلة دون تبرم أو ملل، ودون أن يتطلع إلى وجاهة أو مكانة اجتماعية، لأنه كان يدرك بفطرته الصافية أن الوجاهة الحقيقية هي أن تكون خادمًا للحسين
، وأن أعظم المناصب أن يكتبك الله في سجل خدامه.
ورغم أنه لا يقرأ ولا يكتب، إلا أن المجالس الحسينية كانت مدرسته الكبرى، ومنبر الحسين
كان أستاذه الذي نهل منه العلم والمعرفة. فصار يحمل ثقافة حسينية غزيرة، وحصيلة معرفية واسعة، بل ربما يمتلك من الخبرة والوعي ما لا يمتلكه بعض الشباب في هذا الزمن.
وقد تعاملت معه في بعض مواسم محرم أثناء توزيع «المحموص» على بيوت منطقة الشويكة، فكان يعرف البيوت وأهلها معرفة دقيقة، وكأنه يحمل خريطة المنطقة في ذاكرته. كان يشير بيده ويقول: هذا بيت الشيوخ، وهذا بيت غانم، وهذا بيت العباس، وهذا بيت حمدون، وهذا بيت الخاطر، وهذا بيت التاروتي... وهكذا ظل يرسم لنا خارطة التوزيع بيتًا بعد بيت، حتى إذا اطمأن إلى أننا عرفنا الطرق وأصحاب البيوت، ترك المهمة لنا ولعدد من الشباب لنواصل هذا العمل المبارك.
ولم يقتصر عطاؤه على ذلك، بل أسس مجلسًا حسينياً أسبوعيًا يجمع فيه مجموعة من كبار السن، يجددون فيه الذكر والولاء، ويتنفسون من خلاله عبق الحسين
. وكأن لسان حاله يقول لهم: هذه المجالس هي رئتنا التي نتنفس منها، وهي النور الذي يضيء ما تبقى من أعمارنا، والحسين هو الذي يجمع قلوبنا قبل أن يجمع أجسادنا.
كما كان له مجلس صباحي يقام في مناسبات وفيات أهل البيت
، يحرص عليه حرص المحب المشتاق، الذي يرى في خدمة هذه المجالس شرفًا لا يعدله شرف.
وكان الحاج مكي واحدًا من أولئك العاشقين الذين ينتظرون قدوم شهر محرم كما ينتظر الظمآن الماء العذب. فإذا أقبل الشهر الحزين عاش مع الحسين
حياة جديدة، وتجدد في قلبه عهد الولاء، وكأن أيام السنة كلها كانت تمهد له الطريق ليعيش تلك الأيام المباركة في رحاب سيد الشهداء
.
فماذا أقول في رجلٍ نشأ مع الحسين، وعاش للحسين، وخدم الحسين، وجعل من المجالس الحسينية جزءًا من روحه وحياته؟
لا أملك إلا أن أدعو له قائلاً:
بارك الله فيك يا أبا الخدمة والوفاء، وهنيئًا لك هذا التوفيق العظيم. نسأل الله أن يكتبك في زمرة خَدَمِ الحسين
، وأن يجعل ما قدمته لمجالسه المباركة نورًا لك في الدنيا والآخرة، وأن يطيل عمرك في خدمة الإمام الحسين
، ويبارك لك في صحتك وعافيتك، لتبقى كما عهدناك عاشقًا للحسين وخادمًا لمجالسه المباركة.














