قصرك السكني الكبير وحفظ حقوق أبناء جيلك القادم
جميل جدًا أن تكون بيوت ومنازل وفلل أبناء وطنك كبيرة وناضرة وجميلة وشرحة ومتألقة وحديثة ومتناسقة، وتسر ضيوفك الكرام. فذلك عنوان صادق على الاستقرار والنمو وتجذير الانتماء والتفاؤل بالأجمل وحفظ الكرامة وحب ضخ المال بأرض الوطن. إلا أن هناك أمورًا ملفتة للنظر وقد تثير التساؤل، وهي وجود بعض القصور والفلل الكبيرة المهجورة لمدة عقود زمنية «ومنها غير المكتمل البناء» والواقعة على شوارع رئيسية وفي أحياء حيوية. شخصيًا، يؤلمني انكفاء بعض أفراد عوائل كانت تعيش حياة الدعة والعيش الرغيد، وكانت سباقة في البذل والعطاء والتمويل لبعض المناسبات الاجتماعية والخيرية والدينية، إلى أن يتحول حال بعضها إلى التسابق على أبواب المحاكم والمنازعات القضائية بسبب ذاك القصر السكني الكبير الذي ورثوه بعد رحيل من بناه لهم «أبوهم».
عندما يقدم أحد أبناء المجتمع العصامي على بناء البيت الأفخم والأكبر في حياته بعد رحلة كدح طويلة وادخار مالي أطول، وقد يكون شارف ذلك الإنسان على نهاية العقد السادس من عمره بأن يمضي في قرار بناء قصر كبير أو فيلا فخمة جدًا وذات تكلفة عالية وتجهيزات فريدة وأقسام مختلفة ومجالس شاسعة ومرابض سيارات كثيرة وبرك سباحة متعددة وصالة رياضة خاصة ومكتب عمل فخم. وقد تبدو الفكرة مبدئيًا ممتازة وتلائم الاحتياجات اليومية، سواء في حجم مجلس الرجال / النساء الضخم وصالات الطعام الواسعة جدًا وكراج سيارات كبير وبركة سباحة أولمبية وحديقة غنّاء ومصاعد متعددة وديوانيات استضافة رجال/نساء ومسكن مخصص للخدم والسواق الخاص والبستنجي والحارس من جهة، وسكن آخر مخصص للخادمات والطاهية ومسؤولة الرعاية الصحية لكبار السن؛ لكن العقار السكني الكبير بعد رحيل مستخدمه قد لا يكون منصفًا تمامًا للجيل الذي سيرث ذلك الأصل العقاري بعد عشر سنوات أو أكثر أو أقل.
اجتماعيًا يقال للإنسان إذا صنع الشيء من كد يمينه: «عليه بالعافية» و«الله يحب أن يُرى أثر النعمة على الإنسان»، ويستشهد البعض بالآية القرآنية الكريمة: ﴿فَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]؛ ولكن في علوم إدارة الثروة العقارية للأصول العائلية، الأمر يُنظر إليه على أنه شيء آخر. السؤال الحقيقي يتخطى السؤال الكلاسيكي والمعتاد: كم نسبة العائد السنوي ROI للمبنى لكونه سكنيًا نفعيًا للمالك؟ ويتخطى السؤال الآخر: كم سيولّد هذا الأصل من قيمة فخامة أو حفاوة اجتماعية أو تصنيف انتماء طبقي أو دخل مالي لصاحبها الآن؟ السؤال الأعمق والأهم: أي التزام مالي ونمط سلوكي سيتركه المالك الحالي من بناء تلكم الفيلا الضخمة «القصر السكني/القلعة السكنية» لمن سيجلس فيها من بعده من الورثة؟ وإلى أي مدى يستطيع الورثة تقمص ذات السلوك وتكبد ذات المصاريف من فواتير تشغيلية وصيانة ونظافة وعقود توريد وعمالة واستضافات دورية؟
في كثير من الحالات تباع قصور السكن الكبيرة لاختلاف الورثة في إدارتها أو فيمن سيستفيد من استخدامها، لاسيما إذا كان عدد الورثة كبيرًا أو كان التفاوت في الدخول المالية بين الورثة شاسعًا أو كانت الأنفس متنافرة أو لعدم تلاقي المصالح فيما بينهم. وبعض العوائل تُفضّل أحيانًا إعادة توجيه الأصل العقاري أو إعادة هيكلته ليتلاءم واحتياجات الجيل القادم، كإعادة تقسيم مساحة الفيلا/القصر إلى قطع أصغر وبناء وحدات سكنية أكثر «ديبلوكس/عمارة متعددة الشقق» تضم أفراد الأسرة وفروعها. أما إذا كان الوارث شخصًا واحدًا فقد يتنعم بالمنفعة للاستخدام لجيل ثانٍ آخر، ولكن عاجلًا أو آجلًا ستتفتت التركة وتتفتت الأصول. ولذا لا بد من الاستدراك والمبادرة بالمعالجة في أثناء حياة المالك المعني.
وقد تقوم بعض العوائل بعد رحيل مالك القصر السكني الحالي بحفظ ذلك الأصل العقاري «القصر/الفيلا الكبيرة جدًا» لمدة طويلة حتى لو كان القصر مهجورًا أو مهملًا، وحتى إن كان ذلك الأمر مرهقًا ماديًا وإداريًا لهم؛ وذلك لمجرد أن المبنى عزيز على قلوبهم ومألوف نفسيًا لديهم أو سرّ من أسرار ذيوع صيتهم وصناعة اسمهم في أواسط العوائل ذات الانتماء الطبقي الاجتماعي المميز ماديًا.
1. هل يتوازن توزيع الدخل الحالي للورثة مع ما يتطلبه الحفاظ على الأصل العقاري الضخم وفي حالة جيدة عبر الأجيال؟
2. هل تسمح تركيبة الأصل العقاري للجيل القادم بهامش مناورة حقيقي لإعادة الاستخدام بشكل مرن، أم تضعه أمام التزامات مادية وإدارية يصعب تجاوزها؟
3. هل يتناسب حجم الوقت والجهد المطلوب لإدارة العقار مع حياة الورثة ومساراتهم المهنية ومواقع أعمالهم الجغرافية، أم سيفترض المالك أن الاستفادة مقتصرة في ذاته حتى مماته؟
أسئلة ثلاثة تتبعها أسئلة أخرى لتصنيف الحلول الممكنة للأصول العقارية المستخدمة من قبل المالك أثناء حياته والوارد الاستمرار في المنفعة باستخدامها بعد رحيله.
بعض الأشخاص يتعاملون مع العقار بوصفه أداة لاستدامة الثروة، لا مصدر دخل متدفق وآني. وبهكذا تفكير يُعاد صياغة سؤال الاستثمار من جديد وبشكل أكثر وعيًا. فبدل الاكتفاء بسيناريو خطة لخمس سنوات، تُبنى القرارات على صورة أوضح لما سيواجهه الجيل القادم من خيارات وقيود حول الأصول نفسها وإدارتها ومرونة استخدامها، لاسيما إذا كان أبناء الوارث لا يجيدون صنع الثروة ولا تنميتها ولا يملكون مداخيل عالية من وظائف مرموقة.
في الواقع بعض الآباء لا يورثون المباني لأبنائهم فقط، إنما يورثون مزيجًا من إدارة ذكية وكرامة مالية ودخل سلبي واختصار زمن مشقة ومرونة، ونوعية من الالتزامات المتوائمة مع إمكانيات من يأتي بعدهم من خلال ذاك الأصل العقاري الباهظ الثمن، إن أتقن الآباء قراءة المشهد واستقرؤوا أبعاده المستقبلية. الإشكال أن البعض يورث غصة وبذور أزمات وقضايا محاكم لورثته، لاسيما إن لم يهندس بشكل ذكي فنون إدارة الأصول الكبرى، سواء العقارية «ومنها قصره» أو المالية، أثناء وجوده بهذه الدنيا، كما هندس توزيع قصره «فيلته الواسعة» وادخاره في ماله.
بعد أن شاهدت تزايد عدد الفلل الكبيرة المغلقة والمهجورة في بعض الأحياء ببعض المدن الكبرى في الوطن العربي، أثار ذلك الأمر علامات استفهام عديدة لديّ. وبعد الوقوف على أحوال وتداعيات بعض تلكم القصور والفلل الكبيرة، وجدت من الجيد إثارة الموضوع وطرحه لإثراء الحوار داخل المجتمع بشكل عام، والحث على ضرورة التخطيط الإداري الناجع لمعالجة هكذا أمور في المهد قبل استفحالها.
في عالم تتغير فيه الاحتياجات في كل مجال، لا سيما مجال الاستثمار وإدارة الأعمال والمال والأصول العقارية، فتارة تكون الوظيفة هي صيانة الثروة، وتارة نمو الثروة، وتارة تقليل المخاطر، وتارة تسييل الأصول بشكل أسرع، وتارة نقل التسييل والتخلص من الأصول ونقل المال إلى قطاع أو مكان آخر. كل هذا وذاك يجعل الإنسان في معترك صنع القرار الأكثر فعالية. فالأصول واحدة ولكن القرار يتغير. وفي مجتمع تعج فيه العواطف عند اتخاذ القرارات، حتمًا ستظهر معضلات عدة، منها معضلة إدارة الأصول المنفعية «فيلا كبيرة/قصر سكني فخم» عبر الأجيال!
مع القيام بالمقترح التالي بين أفراد الأسرة الواحدة: تحديد وظيفة الأصل وسبب الاحتفاظ بالأصل مع الظروف الاقتصادية الحالية، وآلية صنع قرار يتعلق بالأصل العقاري، والمراجعة الدورية لوظيفة الأصل العقاري، والحوكمة لأي بيانات ذات علاقة؛ سيتم تفادي المعضلات. فمثلًا:
أ - تحديد وظيفة الأصل: السكن المناسب مثلًا.
ب - سبب الاحتفاظ بالأصل مع الظروف الاقتصادية الحالية للورثة: إمكانية الحفاظ عليه واستخدامه من الجميع.
ت - صنع قرار يتعلق بالأصل العقاري:
1 - الاحتفاظ به مع استخدامه إن توفرت الإمكانيات، أو
2 - عرضه للبيع بين الورثة والتخارج منه، أو
3 - إعادة تقسيمه وهيكلته فيزيائيًا وتدوير استخدام أجزائه بين المنتفعين، أو
4 - عرضه للبيع عبر المنصة العقارية الوطنية والتخارج.
ث - الحوكمة:
بتحديد الأهداف والمسؤولية والقرار والتفاهمات والوظيفة للأصل والمراجعات تبعًا للوظيفة وليس للعوارض النازلة والحوكمة، حينذاك تتحول الأطروحة أعلاه إلى دستور عائلي لإدارة الأصل العقاري الأكبر لبعض العوائل الذي يمسها عاطفيًا.














