ما الذي يريده الحسين منا؟
حين يُذكر اسم الحسين
، لا نستحضر رجلًا من التاريخ فحسب، بل نستحضر قضيةً ما زالت حيّة، ومدرسةً ما زالت تُعلّم الإنسانية معنى الكرامة والحق والحرية.
كربلاء لم تكن مجرد معركة وقعت في يوم عاشوراء ثم انتهت، بل كانت لحظةً فاصلة في التاريخ الإنساني، أعادت رسم الحدود بين الحق والباطل، وبين الكرامة والذلة، وبين الموقف والصمت.
وسط هذا الزخم العاطفي الذي يرافق ذكرى عاشوراء، يبرز سؤال يستحق التأمل: لسنا بحاجة فقط أن نسأل ماذا نريد من الحسين، بل الأهم أن نسأل: ما الذي يريده الحسين منا؟
غالبًا ما نتوجه إلى الحسين بالدعاء، نطلب شفاعته، ونلتمس البركة من ذكراه. وهذا امتداد طبيعي لعلاقة الحب والولاء. لكن الحب الحقيقي لا يكتفي بالأخذ، بل يرتقي إلى مرحلة أعمق: مرحلة الاستجابة. فالمحب الصادق يسأل دائمًا: ماذا يريد مني من أحب؟
الحسين بن علي لم يقدّم نفسه للتاريخ كقائد معركة فحسب، بل كصاحب رسالة واضحة. لم يخرج طلبًا لسلطة أو سعيًا لمجد شخصي، بل لخدمة مشروع إصلاحي كبير حين قال:
”إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.“
هذه العبارة وحدها تكفي لتلخص أول ما يريده منا الحسين: أن نكون مصلحين.
أن نبدأ بإصلاح أنفسنا قبل أن نطالب بإصلاح العالم.
أن نراجع أخلاقنا قبل أن ننتقد أخلاق الآخرين.
وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل نحن جزء من الحل أم جزء من المشكلة؟
ويريد منا الحسين الصدق؛ لأن المجتمعات لا تنهار بسبب الظالمين وحدهم، بل أحيانًا بسبب اعتياد الناس على الزيف حتى يصبح الكذب أمرًا مألوفًا. يريد منا أن تكون الكلمة أمانة، والموقف شجاعة، والضمير حيًا.
كما يريد منا الوعي. فمأساة كربلاء لم تكن فقط في وجود جيش قاتل، بل في وجود جمهور فقد البصيرة؛ أناس عرفوا الحق لكنهم لم يتحركوا، وسمعوا النداء لكنهم آثروا الصمت. ومن هنا نفهم أن الخطر ليس دائمًا في الباطل الواضح، بل في صمت أهل الحق.
كم من إنسان اليوم يرى الخطأ ويسكت؟
كم من مسؤول يعرف الحقيقة لكنه يخشى قولها؟
وكم من مجتمع يعتاد الانحراف تدريجيًا حتى يصبح المرفوض مألوفًا؟
الحسين يريد منا ألا نكون محايدين حين يتعلق الأمر بالحق.
ويريد منا كذلك الكرامة. لقد علّمنا أن الإنسان قد يخسر مالًا أو منصبًا أو حتى حياته، لكنه لا ينبغي أن يخسر كرامته. لذلك لم تكن عبارته الخالدة:
”هيهات منا الذلة“
مجرد شعار في لحظة مواجهة، بل دستورًا للحياة.
فالذلة ليست فقط خضوعًا لطاغية؛ قد تكون خضوعًا لشهوة، أو خوفًا، أو مصلحة تجعل الإنسان يبيع مبادئه بصمت. والحسين يريد منا أن نعيش أحرارًا… أحرارًا من الجهل، ومن التبعية العمياء، ومن الخوف الذي يمنعنا من اتخاذ الموقف الصحيح.
كما يريد منا الحسين أن نحول الولاء إلى سلوك يومي، لا يقتصر على المجالس والمواسم، بل يظهر في البيت والعمل والشارع؛ في الأمانة، والعدل، والرحمة، ونصرة المظلوم.
القضية ليست أن نبكي على الحسين فقط، بل أن نمنع تكرار كربلاء بصور جديدة. نعم، البكاء على الحسين شعيرة عظيمة تحفظ حرارة القضية في القلوب، لكن الحسين لا يريد دموعًا بلا أثر، ولا عاطفة بلا تغيير. إنه يريد إنسانًا إذا حضر مجلسه خرج أفضل مما دخل.
وفي زمننا هذا، تبدو رسالة الحسين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. نعيش عصرًا تتسارع فيه التكنولوجيا، لكن الأخلاق لا تتسارع بالضرورة معها. تتوسع القدرات البشرية، بينما قد تضيق الرحمة ويضعف الضمير. وهنا تبرز الحاجة إلى مدرسة الحسين أكثر من أي وقت مضى.
فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى الأذكياء، بل إلى أصحاب مبادئ. لا يحتاج فقط إلى أصحاب نفوذ، بل إلى أصحاب ضمير. لا يحتاج فقط إلى من يعرف كيف ينجح، بل إلى من يعرف لماذا ينجح، ولأجل ماذا يستخدم نجاحه.
وفي النهاية، يمكن اختصار كل ما يريده منا الحسين في سؤال واحد:
حين ينظر الحسين إلى حياتك… هل يرى فيك امتدادًا لرسالته؟
هذا هو السؤال الأصعب، لكنه أيضًا الأصدق.
سلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى كل قلب جعل من كربلاء طريقًا للوعي، ومن الولاء مسؤولية، ومن الحب عملًا.













