الخطيب الملا عبد الرسول البصارة المحب لمجتمعه
في أجواء عاشوراء الإمام الحسين يطيب الحديث عن شخصيات عاشت عاشوراء قلبًا وقالبًا، فلا تأتي عاشوراء الإمام الحسين إلا ويأتي ذكرهم تباعًا.
الخطيب الملا عبدالرسول البصارة، رحمه الله، ابن جزيرة تاروت لم يكن مجرد صوت يرتقي المنبر الحسيني، بل استطاع أن يكون مفردة مميزة من مفردات عاشوراء على مستوى محافظة القطيف. فهذه الشخصية خدمت الإمام الحسين وخدمت الناس لنصف قرن من الزمان، وتركت أثرًا لهذه المسيرة المعطرة بحب الإمام الحسين، ونالت شرف الانتساب لخدمته.
قبل مدة استمعت لإحدى محاضراته عبر أثير إحدى الإذاعات، فعادت بي الذكرى لهذه الشخصية العظيمة التي اشتهرت بكونها شخصية حسينية، فهو خطيب حسيني مرموق ذاع صيته لأجيال في المنطقة وما زال، لكن هناك جانبًا آخرَ لا يُسلط الضوء عليه كثيرًا، وأردت الإشارة إليه في هذه الشخصية، ألا وهو البعد الاجتماعي؛ فهذه الشخصية كان لها الكثير من الأعمال الاجتماعية والروح الإنسانية التي تفيض على المجتمع.
في دفاتر جمعية تاروت وجدت أن هذا الخطيب الحسيني كان أحد الذين نظروا إلى حاجات المجتمع نظرةً بعيدة المدى، وقبل أكثر من خمسين سنة كان، رحمه الله، أحد مؤسسي جمعية تاروت الخيرية، وهذا مجال ربما من النادر حينها أن ترى خطيبًا حسينيًا فيه.
استطاعت هذه الشخصية أن تتقن النصح والتوجيه والاستقطاب لشرائح عدة، سواء من عامة الناس أو فئة الشباب تحديدًا التي كان يستهدفها؛ فقد كانت له قدرة خاصة على استقطاب فئة من الشباب الألمعيين، إذ شاهدت بعض الشباب الشغوفين بهذه الشخصية يقتفون أثرها في كل مكان حتى أصبحوا أصدقاء له رغم فارق السن بينهم وبينه. كما كان يحيط نفسه بعدد من الشباب الذين يقرؤون له الكتب، نظرًا لفقده نعمة البصر، لمساعدته على التحضير لمحاضراته، وهو بدوره يمدهم ويشجعهم على المعرفة ويوجههم لما ينفعهم. لقد شاهدته وأنا ما زلت طفلًا وهو يعاتب أحد الخطباء الشباب حينها عندما طلب منه المساعدة لتسجيل مهنته في بطاقة الأحوال المدنية «التابعية حينها» مُتسبِّبًا، فطلب منه الملا البصارة أن يذهب ويسجل مهنته خطيبًا وليس مُتسبِّبًا. لقد أصبح كل هؤلاء الشباب الذين عهدناهم خطباءَ ووجهاء وأصحاب مناصب مهمة في أعمالهم، فكان يزرع فيهم القيم والطموح في الوقت نفسه الذي يطلب فيه مساعدتهم.
لم يقتصر عطاء هذه الشخصية المعطاءة على الجوانب الأخلاقية والروحية، بل شمل العطاء المادي أيضًا؛ فقد عُرف عنه أنه لا يأخذ أجرة لقراءة الفواتح عندما تكون أسرة المتوفى معسرة، وهناك قصص عديدة يعرفها الناس تبين نبل هذه الشخصية في هذا الجانب. لقد حدثني أحد الفضلاء أن سماحة الشيخ عبدالرسول البيابي، عافاه الله، كانت بينه وبين الخطيب البصارة شفرة خاصة، فبمجرد أن يعلم الشيخ أن الملا عبدالرسول يقرأ فاتحة لأحد أفراد أسرة غير مقتدرة، يقوم بالتواصل معه ويقول له: «إن المتوفى يحتاج إلى الدعاء»، فيعرف الملا المقصود ويقوم بالشيء الذي اعتاده مع هذه الأسرة. لقد سمح هذا الأسلوب وهذا التعاطي السمح من قبل الملا عبدالرسول البصارة بأن يسمع الناس صوته يجلجل في سماء جزيرة تاروت بشكل شبه يومي، فهو الخطيب المفضل والأشهر لكل الناس بكل فئاتهم، ولم تكن هذه الشهرة وهذا الصيت مقتصرين على عائلات دون أخرى، فكل شخص يستطيع الطلب منه القراءة دون أي حرج أو خشية من الرفض نتيجة قلة ذات اليد.
تميزت خطابته الحسينية بالصوت الشجي المميز الذي أوصله للقراءة عند المراجع العظام، كما تميزت محاضراته بالطابع الكلاسيكي المعتدل الذي يركز على الوعظ والتوجيه والتثقيف الديني، الذي يبين الجانب العقائدي والأحكام الفقهية إضافة إلى التاريخ، لكن عندما تلتقيه تلقى شخصية أخرى، أكثر انفتاحًا واطلاعًا واهتمامًا، وصاحبة رؤى عديدة تختص بالشأن الاجتماعي العام؛ فقد شرفت بزيارات متكررة بصحبة بعض المقربين منه، فاستمعت إلى شخصية ذات اطلاع أوسع من تلك الشخصية المنبرية التي نعرفها عنه، وكان لحديثه عذوبة خاصة فيها من اللطف والمرح الممزوج بالتورية التي يتقنها ولا يستخدمها إلا مع المقربين منه.
في عاشوراء الإمام الحسين
نستحضر من نافذة ضيقة جانبًا من شخصية أحد خطباء المنبر الحسيني في القطيف الذين بذلوا وضحوا وصبروا، فكان لهم الفضل على هذه المنطقة. نستذكر من غاب منهم ومن ما زلنا نستضيء بنوره، ونشد على أيدي الجيل الصاعد من الخطباء الكرام السائرين على درب أبي عبدالله الحسين، فرحم الله من مضى منهم، وحفظ الله الجميع من كل سوء، وعظّم الله أجورنا في مصابنا بالإمام الحسين
.













