عاشوراء… عندما تتحوّل الدموع إلى بصيرة
عظّم الله أجورنا وأجوركم أيّها المؤمنون وأحسن الله لنا ولكم العزاء في مصاب سيد الشهداء أبي عبدالله الإمام الحسين وأهل بيته وأنصاره عليهم جميعًا سلام الله.
مع إطلالة السنة الهجرية الجديدة، يستقبل المسلمون عامة شهر محرّم بالبهجة والسرور والاحتفالات، غير أنّ أتباع مدرسة أهل البيت
يستقبلون شهر محرّم الحرام بالحزن والأسى، إحياءً لذكرى الفاجعة الكبرى التي حلّت بالإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عليه و
في كربلاء. وتُرفع رايات العزاء، ويُلبس السواد، وتُقام المجالس الحسينية في مختلف أنحاء العالم. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصًا في ظل التحديات الفكرية والثقافية التي تواجه الشباب، هو:
كيف يمكن للوعي أن يجعل من استقبال محرّم محطةً للتغيير والنمو الروحي والمعرفي، لا مجرد ممارسة موسمية تتكرر كل عام؟
إنّ الوعي يبدأ من إدراك حقيقة أنّ عاشوراء لم تكن حادثة تاريخية عابرة، بل مشروعًا إلهيًا لإحياء القيم الإنسانية والإيمانية. فالإمام الحسين
لم يخرج طلبًا لسلطة أو جاه، وإنّما أعلن هدفه بوضوح حين قال: ”…. إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي…“. ومن هنا فإنّ الوعي يدفع الإنسان إلى أن يسأل نفسه:
ماذا يريد الإمام الحسين
منّي؟
كيف يمكن أن تنعكس مبادئه على سلوكي وأخلاقي وعلاقتي بالله والناس؟
القرآن الكريم يربط بين الإيمان الحقيقي وبين التأثر الواعي بالحقائق الإلهية، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]، فالقلب الخاشع لا يُصنع بالانفعال العاطفي وحده، بل بالفهم والتدبّر واستحضار المعاني العميقة التي تحملها الذكرى.
من هنا يأتي دور الوعي لدى الشباب في اختيار المجالس الحسينية التي تثري الفكر والروح معًا. فليس المطلوب حضور أي مجلس لمجرد الحضور، وإنّما البحث عن المجلس الذي يربط بين مصيبة الإمام الحسين
ورسالته، وبين الدموع والبصيرة، وبين العاطفة والعمل. فالمجلس الناجح هو الذي يخرج منه الشاب أكثر قربًا من الله، وأكثر التزامًا بالقيم، وأكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه.
فقد ورد عن الإمام الصادق
: ”تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيا أمرنا“. إنّ إحياء أمر أهل البيت
لا يقتصر على البكاء والحزن على عظم شأنهما، بل يشمل معرفة نهجهم وفهم مبادئهم والسير على خطاهم.
كما أنّ الوعي يجعل الشاب ينظر إلى محرّم بوصفه فرصة للمراجعة الذاتية. فكما وقف الإمام الحسين
في وجه الظلم والانحراف، ينبغي للإنسان أن يقف مع نفسه ليواجه أخطاءه وعاداته السلبية ويبدأ عامًا جديدًا بروح الإصلاح والتغيير. وهنا تتحول عاشوراء من ذكرى مؤلمة إلى مدرسة تربوية متجددة.
إنّ أعظم ما يمكن أن يقدّمه الوعي للمجتمع الشيعي في موسم محرّم هو أن يحفظ التوازن بين حرارة العاطفة ونور المعرفة. فالعاطفة تُبقي القضية حيّة في القلوب، والمعرفة تُبقيها حيّة في السلوك. وعندما يجتمع الأمران، يصبح الحزن على الإمام الحسين
قوةً دافعةً نحو الإيمان والوعي والإصلاح.
فليكن استقبالنا لمحرّم استقبالًا يملؤه الخشوع والتأمل، ولنجعل من المجالس الحسينية منابر لبناء الإنسان الواعي، الذي لا يكتفي بالبكاء على الإمام الحسين
، بل يسعى لأن يكون مشروعه في الحياة امتدادًا لمشروع الإمام الحسين
في الإصلاح والكرامة والحق. وهكذا يتحوّل محرّم إلى بداية عامٍ جديد تُكتب فيه صفحة أكثر قربًا من الله، وأكثر وفاءً لرسالة سيد الشهداء
.













