آخر تحديث: 15 / 6 / 2026م - 9:45 م

استقراء الفيزياء في جسم الإنسان

حسين مكي المحروس

منذ أن بدأ الإنسان رحلته لفهم الجسد البشري، كان هاجسه الأكبر أن يرى ما يجري في داخله دون أن يضطر إلى فتحه. فظهرت الأشعة السينية لتكشف العظام، ثم جاءت الموجات فوق الصوتية لتتيح مراقبة الأنسجة الرخوة، وتبعها التصوير المقطعي والرنين المغناطيسي وغيرهما من التقنيات التي فتحت نوافذ متزايدة الاتساع على هذا العالم المدهش المختبئ خلف الجلد. ومع كل هذا التقدم، ظل التركيز في كثير من الأحيان منصبًا على رؤية البنية التشريحية للأعضاء، بينما تبدأ الأمراض في مراحلها الأولى على هيئة اضطرابات وظيفية دقيقة قد لا تترك أثرًا بنيويًا واضحًا يمكن للأجهزة التقليدية التقاطه بسهولة.

ومن هنا يبرز تساؤل يستحق التأمل: هل يكفي أن ننظر إلى شكل العضو وتركيبه، أم أننا بحاجة إلى دراسة بصمته الفيزيائية أيضًا؟ فكل عضو في جسم الإنسان لا يشغل حيزًا مكانيًا فحسب، بل يترك خلفه آثارًا فيزيائية مستمرة ناتجة عن نشاطه الحيوي. هناك حرارة يولدها الاستقلاب، وإشارات كهربائية تنساب عبر الأعصاب والعضلات، ومجالات مغناطيسية ضعيفة تنشأ من حركة الشحنات الكهربائية، فضلًا عن أنماط اهتزازية وديناميكية مرتبطة بتدفق الدم وحركة الأنسجة. ولعل الإنسان، عند النظر إليه من هذه الزاوية، لا يبدو مجرد مجموعة من الأعضاء المتجاورة، بل منظومة متكاملة من البصمات الفيزيائية التي تعكس حالته الصحية لحظة بلحظة.

ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ما يُعرف بالانحراف الحراري. فالمهندس الذي يتفقد معدة صناعية لا ينشغل عادة بدرجة الحرارة المطلقة بقدر ما يهتم بمقدار انحرافها عن النمط المتوقع أثناء التشغيل الطبيعي. فلكل آلة بصمتها الحرارية الخاصة، وأي خروج عن هذا النمط قد يكون مؤشرًا على احتكاك غير طبيعي أو مقاومة كهربائية مرتفعة أو بداية تآكل داخلي. وإذا كانت الآلات تكشف عن أعطالها بهذه الطريقة، فهل يمكن للجسد البشري أن يفعل الأمر ذاته؟ وهل يمكن أن تمثل الخرائط الحرارية للإنسان نافذة مبكرة لرصد بعض الاضطرابات قبل أن تتحول إلى أعراض مرضية واضحة؟

غير أن الحرارة ليست سوى طبقة واحدة من طبقات المشهد الفيزيائي المعقد للجسم. فكل عملية حيوية تقريبًا تترافق مع حركة للشحنات الكهربائية والأيونات داخل الخلايا والأنسجة. ولذلك يبدو منطقيًا التساؤل عما إذا كانت الأمراض تترك، إلى جانب بصمتها الحرارية، بصمات كهربائية ومغناطيسية مميزة أيضًا. وإذا أمكن تحفيز بعض الأنسجة بمجالات مغناطيسية مدروسة ورصد استجابتها بدقة، فقد نحصل على معلومات إضافية تكشف جوانب لا تستطيع الحرارة وحدها إظهارها. فالتغير المرضي لا يقتصر أثره على إنتاج الطاقة الحرارية، بل يمتد إلى خصائص التوصيل الكهربائي وانتقال الإشارات العصبية وحركة الأيونات داخل الجسم.

لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في أي بصمة منفردة، بل في درجة توافق هذه البصمات مع بعضها البعض. فإذا أظهرت الخريطة الحرارية انحرافًا في موضع معين، ثم أظهرت القياسات الكهرومغناطيسية تغيرًا في الموضع نفسه، وتزامن ذلك مع اختلاف في تدفق الدم أو في بعض المؤشرات الحيوية الأخرى، فإن مستوى الثقة في التشخيص يرتفع بصورة كبيرة. وهنا لا يصبح القرار الطبي مبنيًا على إشارة واحدة قد تكون عرضة للتأويل، بل على منظومة متكاملة من الشواهد الفيزيائية المستقلة التي تدعم بعضها بعضًا.

وقد يقودنا هذا التوجه إلى إعادة النظر في مفهوم التشخيص الطبي ذاته. فبدلًا من انتظار ظهور كتلة أو انسداد أو تلف واضح في الأنسجة، قد يصبح الهدف هو اكتشاف الانحرافات الوظيفية التي تسبق تلك المرحلة بوقت طويل. وكما يستطيع مهندس الصيانة التنبؤ بقرب حدوث عطل في إحدى المعدات من خلال مراقبة تغيرات طفيفة في الأداء، قد يتمكن الطبيب مستقبلًا من رصد بدايات المرض قبل أن يتحول إلى حالة سريرية مكتملة الأركان. وعندها سيتحول الطب تدريجيًا من التعامل مع نتائج المرض إلى التعامل مع مقدماته الأولى.

ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الرؤية أكثر واقعية مما كانت عليه في السابق. فالعقل البشري، مهما بلغت خبرته، يظل محدود القدرة أمام ملايين المتغيرات المتداخلة. أما الأنظمة الذكية فتستطيع مقارنة الأنماط الحالية بكم هائل من البيانات المرجعية خلال ثوانٍ معدودة، والبحث عن العلاقات الخفية التي يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية. وربما يأتي يوم يمتلك فيه كل إنسان ملفًا فيزيائيًا متكاملًا يضم بصمته الحرارية والكهربائية والمغناطيسية والدورانية، بحيث لا تُقاس حالته الصحية مقارنة بمتوسطات عامة فحسب، بل مقارنة بتاريخه الشخصي وأنماطه الطبيعية الخاصة.

بل إن الآفاق الأكثر إثارة للاهتمام قد لا تتعلق بالأمراض العضوية وحدها. فالحالة النفسية بدورها تترك آثارًا ملموسة على الجسد يمكن قياسها ورصدها. فالخوف والقلق والغضب والتوتر والطمأنينة ليست مجرد تجارب شعورية مجردة، بل حالات تؤثر في نشاط الجهاز العصبي، وتدفق الدم، وإنتاج الحرارة، وأنماط الإشارات الكهربائية داخل الجسم. ومع تراكم البيانات وتطور أدوات التحليل، قد يصبح بالإمكان دراسة العلاقة بين هذه البصمات الفيزيائية والحالات النفسية المختلفة بصورة أكثر عمقًا، بما يساعد على فهم التفاعل المعقد بين العقل والجسد من منظور علمي أشمل.

ولعل جوهر هذه الرؤية يتمثل في الانتقال من البحث عن المرض بعد ظهوره إلى البحث عن بوادره الأولى قبل أن يفرض نفسه على المريض والطبيب معًا. فكما أن الزلازل الكبرى تسبقها اهتزازات دقيقة، وكما أن الأعطال الجسيمة تسبقها إشارات صغيرة لا ينتبه إليها إلا المتخصصون، فقد تكون الأمراض هي الأخرى مسبوقة بانحرافات طفيفة متناثرة في خرائط الحرارة والكهرباء والمغناطيسية وسواها من البصمات الفيزيائية. وعندئذٍ قد لا يكون التحدي الأكبر هو رؤية المرض، بل تعلم قراءة اللغة الفيزيائية التي يتحدث بها الجسد قبل أن يضطر إلى التعبير عنها بالألم والمعاناة.