آخر تحديث: 16 / 6 / 2026م - 9:04 م

مسميات الأشياء أثناء سفرك

المهندس أمير الصالح *

كسائح لأي دولة بالخارج ستتفوه بالمسلمات التعبيرية التي اعتدت عليها في بلادك بشكل عفوي. فمثلًا عندما تذهب إلى محل إعداد قهوة، فإنك ستطلب قهوةً مُعينة بوصف محدد، فتقول عفويًا: لو سمحت، واحد (قهوة تركية)، أو لو سمحت، كوب قهوة (قهوة أمريكية سوداء بدون سكر)، على سبيل المثال. وتدفع حسابك وتمضي وقتًا جميلًا في المقهى أو المطعم. إلا أن الأمر قد ينقلب رأسًا على عقب لكونك طلبت من النادل (قهوة تركية)، فهذا خارج حسبانك!

الحوار

نوع القهوة

لك أن تتخيل أنك في مدينة ليماسول القبرصية فتقول للنادل: أود أن أحتسي (قهوة تركية)؛ فتراه يحدق إليك برهةً من الزمن، وتتحول تعابير وجهه من الوداعة إلى العبوس والتجهم، وتمر ثوانٍ من الصمت المطبق، ثم يقول لك مستنكرًا عليك: (يوجد لدينا قهوة يونانية أو إكسبريسو إيطالي أو كابتشينو أو لاتيه فرنسي؛ لا نعرف طلبك الذي قلته للتو). حينذاك تدرك بأنك قلت كلمة محظورة في المكان الذي أنت فيه، وهي كلمة (تركية)! وهذا ما حدث لي قبل عدة سنوات في ليماسول بقبرص.

الطاجن

عندما تود أن تتناول وجبة غداء دسمة بنكهة عربية في مدينة مثل باريس الفرنسية أو لاهاي (دن هاغ) الهولندية أو بروكسل البلجيكية أو مونتريال الكندية، فإنك تذهب إلى أماكن تجمع الأقلية العربية، حيث الأغلبية من المغاربة والجزائريين المهاجرين والقاطنين في مناطق معينة من تلك المدن؛ مثل شارع جون طالون بمدينة مونتريال. وعند دخولك لمطعم عربي، شمال أفريقي ما، تشير إلى النادل، وبعد وصوله نحوك تطلب بكل أدب ولباقة طبق (الطاجن المغربي باللحم / الدجاج)، فيحملق في وجهك برهةً من الوقت ثم يقول لك: لا يوجد لدينا إلا (طاجن جزائري)! حينذاك ستدرك بأنك قلت كلمة محظورة في أرض المطعم المذكور، وهي (مغربي)! وهذا أيضًا ما حصل لي قبل زمن في شوارع إحدى تلك المدن بأحد المطاعم الجزائرية.

الهايبر سوبر ماركت

بعد غياب سنوات عن مجمع أسواق اعتدت على شراء أغراضي منه؛ ذهبت أبحث عنه، وقد اضطررت إلى السؤال عن السوبر ماركت باسمه المعين. والمثال هنا أنني سألت شخصًا كنديًا عن سوق وول مارت بلس الأمريكي، فرد الكندي بقوله: لا أعرف شيئًا بهذا الاسم، ولكن هناك يوجد (ميترو بلس Metro Plus) الكندي. حينذاك استدركت بأنني قلت كلمة يتحسس منها البعض في كندا، وهي كلمة (أمريكي) لأسباب توتر ناشئة عن تصريحات أدلى بها رئيس معين حول سعيه لضم دولتهم إلى دولته! وهذا أيضًا حصل ما هو مشابه له لآخرين.

الأمل قائم بحلحلة بعض التشنجات

في كأس العالم الحالي المُقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، دخلت مطعمًا جزائريًا يُسمى البنا (Elbeena). وكان مكتظًا بالجزائريين أفرادًا وعوائل. في المطعم صالتان، صالة واحدة للعزاب وأخرى للعوائل دون تقيد في أماكن جلوس الزبائن. ويوجد 4 شاشات تلفاز متفاوتة الأحجام (50 - 70 بوصة) ومتناثرة الأماكن في الصالتين. كانت تُبث يومئذٍ المباراة التي جرت بين دولة البرازيل ودولة المغرب، أي يوم السبت 12 يونيو، عبر قناة فضائية مشفرة مدفوعة الاشتراك.

كانت الجماهير الجزائرية الموجودة بالمطعم قلبًا وقالبًا مشجعة للفريق المغربي، وتناست الخلافات السياسية والنعرات والتلاسنات التهكمية المتراشقة في العالم الرقمي بين بعض الجزائريين وبعض المغاربة، وانصهرت في تشجيع المنتخب المغربي في لعبه ضد منتخب البرازيل بشكل تفاعلي وحماسي ملموس جدًا. ووجدت التفاعل ذاته لدى رواد مقهى (Cafe Sable D’Or) المجاور للمطعم، والواقع في شارع John Talon. حتى بلغ الحماس وذروة التفاعل والتجمهر للجمهور العربي الجزائري في تلك البقعة من المهجر إلى حد تمركز مجموعة من أفراد الشرطة المحلية. وكانت قوى الأمن المرابطة مكونة من عدد من الخيالة والمركبات، وعدد بالعشرات من رجال الأمن؛ لضمان عدم وجود حالات اختناق مروري في الشارع المذكور.

ثقافة السفر

يبدو لي أن الاطلاع بشكل عام على وضع العلاقات بين الدول وتفاعل الشعوب بناءً على تلك العلاقات، أمر مهم لكل مسافر متجول ومستكشف للعالم من حوله؛ لإنجاح بعض جوانب سفره والابتعاد عن مواطن التشاحن والتلاسن بسبب عدم الإحاطة بالأوضاع العالمية وتطورات العلاقات بين الدول في بعض مناطق العالم. كما تعلمت أيضًا أن الجغرافيا ليست أسماء مدن ومعالم فحسب، بل علاقة شعوب بشعوب ودول بدول، وتبدل مواقف بشكل متسارع. وتعلمت أيضًا أن كلمة وصفية واحدة فقط لمنتج أو طعام قد تفرز ردود أفعال متباينة أو غير متوقعة، وقد تحدث مواقف محرجة أو محمودة.

إذا مررت بمواقف مشابهة، فلطفًا شاركنا بها من خلال التعليق للاستفادة والإفادة.