آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 10:07 م

أكبرُ من عمرها

عماد آل عبيدان

أعترف أنني توقفت طويلًا أمام تلك العبارة. ليس بسبب العباءة.. وليس بسبب الطفلة.. وإنما بسبب شيء آخر لم أستطع تجاوزه بسهولة.

لقد سألها أحدهم عمّا تريد من الحياة.. ولم يكن السؤال غريبًا.. فالطفولة أرض مزدحمة ومتلاطمة بالرغبات الصغيرة.. تتسع لدراجة جديدة.. ولثوب العيد.. ولحلوى تُخبَّأ بعيدًا عن الأعين.. ولأمنيات تتبدل كلما تبدلت الأعمار.

غير أن جواب هذه الطفلة لم يخرج من تلك الأرض إذ ذهبت إلى مكان لا يذهب إليه الصغار عادة.. مكان ينشغل به الكبار بعد أعمار طويلة من التجارب والخسارات والمراجعات.. ”خفتُ أن يبقى أبي محاسَبًا يوم القيامة بسبب ضياع رعيّتِه.. فسحقًا للأناقة التي تُعذِّب أبي“. كأن السؤال وصل إلى طفلة… فأجاب عنه ضميرٌ أكبر من عمره.

وهنا بدأت الحكاية.. لأن الإنسان لا يندهش حين يسمع كلامًا جميلًا.. - الكلام الجميل كثير - وإنما يندهش حين يرى شيئًا في غير موضعه المعتاد. ولهذا لم أستطع أن أتعامل مع العبارة بوصفها حديثًا عن عباءة فقط. كانت نافذة أطلّت منها روح صغيرة على معنى كبير.. معنى لا يتعلق بالقماش بقدر ما يتعلق بمن يقف خلفه.

فبينما ينشغل كثير من البشر بما يأخذونه من آبائهم.. كانت هذه الطفلة مشغولة بما قد يبقى على أبيها بسببها. وهذا التحول وحده كفيل بأن يجعل المرء يعيد قراءة الجملة مرة أخرى ويعيدها مرارًا.. فالأطفال بطبيعتهم يلتفتون إلى ما يصل إليهم أما أن تلتفت طفلة إلى ما قد يصل منها.. فذلك أمر مختلف.

ولهذا شعرت أن العبارة لا تخبرنا كثيرًا عن العباءة. إنها تخبرنا عن صاحبتها وعن الطريقة التي تنظر بها إلى العالم وعن المسافة التي قطعتها روحها قبل أن يقطعها عمرها.

وربما لهذا السبب انتشرت العبارة بين الناس. ليس لأنها تدخل في نقاش حول هيئة أو لباس فالناس يختلفون في ذلك منذ أزمان طويلة وتتبدل الأمور بأشكالها وإنما لأنها أيقظت شعورًا يعرفه كل أب وكل أم.

شعور الإنسان حين يكتشف أن شيئًا من تعبه قد وصل فعلًا. أن كلمة قالها يومًا أو نصيحة كررها أو قيمة عاش من أجلها.. لم تتبخر كما ظن.. ووجدت مكانًا هادئًا في قلب كان ينمو أمام عينيه.

فهذه الطفلة لم تتحدث عن فضل أبيها عليها.. ولم تعدد ما صنعه لأجلها.. ولم تصف مشقة تربيته.. كل ذلك غاب عن الجملة.. وبقي شيء واحد فقط.. الخوف عليه.

وهذا نوع من المحبة لا يحتاج إلى شرح طويل فالإنسان حين يبلغ هذه المرحلة لا يعود منشغلًا بما يربحه من الذين يحبهم. ينشغل بما قد يخففه عنهم..

ولهذا خرجت من العبارة وأنا أفكر في أمر آخر تمامًا. هناك كلمات يقولها الآباء في أعمارهم ثم يظنون أنها ذهبت مع الأيام.. ومواقف يمرون عليها فيحسبونها غير محسوبة ومرّت مرور الكرام.. وقيم يغرسونها ثم يظنون أن أحدًا لم ينتبه إليها أو أخذها بالحسبان.

ثم تأتي لحظة صغيرة كهذه.. - لحظة لا يتجاوز حجمها سطرًا واحدًا - فتكشف أن بعض البذور كانت تعمل في الخفاء طوال الوقت.. وأن ما بدا ساكنًا كان ينمو.. وأن ما ظنه الإنسان عاديًا كان يترك أثره حيث لا يرى.

ولهذا لم أرَ في الصورة عباءة. رأيت أبًا قد يقرأ هذه الكلمات يومًا.. فيطيل النظر إليها أكثر مما يطيل النظر إلى نفسه. ورأيت طفلة لم تطلب من الحياة شيئًا لنفسها بقدر ما تمنت أن تخفف عن رجل أحبته. ورأيت جملة قصيرة جدًا… لكنّها كانت أكبر من عمر صاحبتها.