آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

محرّم… هل استعدّت أرواحنا لنصرة الإمام الحسين (ع)؟ «1»

مع إطلالة شهر محرم يهتزّ الوجدان لذكرى ملحمة حسينية في طريق إصلاح النفوس وتخليصها من رِبقة الرذائل والآفات الأخلاقية، وتمخّض من تلك الملحمة الحسينية مجموعة من الدروس التي نستلهمها ونضعها نصب عينينا في طريق العمل، بما يمثّل مدرسة متكاملة الأركان في تثبيت معالم الإيمان الراسخ والتحلّي بالقيم الإسلامية، وترسم معالم الفكر الواعي وكيفية إدارة الأمور الحياتية رغم هبوب العواصف والظروف القاهرة بعيدًا عن الاضطراب والقلق النفسي، إذ نقف أمام مدرسة التضحية والتفاني بعد استيعاب حقيقة الدنيا الزائلة، فما الخلود والترسّخ في الأذهان الواعية إلا لتلك المواقف المعبّرة عن شموخ نفوس تأبى الذلة والهوان أو الترغيب في مزاد الضمائر.

لقد اتّسمت نهضة الإمام الحسين بالصراحة والوضوح في قيمها وأهدافها، فلم يخرج رغبة في شيء من متاع الدنيا الزائل أو تجاوزًا لنظام العدالة الإلهية والاجتماعية، وإنما كانت نهضته لإحياء معالم الدين وإعادة بوصلة التفكير والسلوك نحو حاكمية الحق والهدي القيمي، وأمام هذا المحتوى والمضمون العالي لهذه القيم المراد تحقيقها نقف متأمّلين في مدى استيعابنا لها وانسجامنا معها، فهذا الانسجام والنصرة الحسينية تعني حمل روح الالتزام بتلك القيم التي ضحّى الإمام الحسين من أجلها، إنها الحكمة والتأني في اتخاذ الخطوات والقرارات والنظر في عواقب ونتائج الأمور، والاستقامة والثبات على روح الدين وقيمه في مواجهة الإغراءات الشيطانية وأهواء النفس المضلّلة عن الحق، فالسيرة العملية على أرض الواقع هي ما تنبئ عن تلك القيم والقدوة التي يتخذها والرؤية الفكرية الحقيقية للإنسان، ولذا ورد في الروايات الشريفة التأكيد على الصورة الحية لأخلاقهم وتعاليمهم مما يتجلّى من سلوكيات وعلاقات وتصرفات.

دموع الحزن والألم لما جرى في واقعة الطف لها قيمتها ودلالاتها، وتحمل الشيء الكثير من المعاني الروحية والتربوية الكبيرة التي تؤثر في صناعة وصياغة شخصية الإنسان، لكنّها لا تؤتي ثمارها الحقيقية إذا لم تتحوّل إلى تغيير عملي في حياة الإنسان، فالبكاء الذي لا يردع عن الاقتراب من دائرة الآثام واقتراف المعصية، ولا يدفع إلى إصلاح النفس وتخليصها من السيئات والنقائص والعيوب يبقى ناقصَ الأثر، بينما الدمعة الصادقة والمطلوبة هي التي توقظ الضمير وتحيي النفس من سبات الغفلة والجهالة، وتدفع صاحبها إلى مراجعة ذاتية لكل ما يصدر منه والتوجه بعدها إلى المعالجة والانطلاق نحو معالي الأمور.

لقد رفع الإمام الحسين هدف الإصلاح حين قال: «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». والانسجام والانتماء لهذه النهضة الإصلاحية يقتضي إصلاح الإنسان نفسه أولًا والسعي الحثيث نحو تنقيتها وتطهيرها من الرذائل، فترى العلامات والقيم الحسينية بادية عليه من خلال الصدق في حديثه والأمانة في عمله والعدل في مواقفه، مبتعدًا عن دائرة الظلم بكافة أشكالها وألوانها، وتنزيهُ لسانه من الغيبة وهتك أعراض وأسرار الآخرين والبهتان وأكل حقوق الآخرين.