آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 10:04 م

تسعون دقيقة

رائدة السبع * صحيفة اليوم

كيف يمكن لحدث رياضي أن يعيد ترتيب العلاقات الإنسانية كما لو أنه يلمسها من مكان لا نراه؟

تأتي النكات، لكنها ليست نكاتًا تمامًا.

«الأقارب الذين لم يكلموني منذ عامين عادوا إلى حياتي حين عرفوا أن لدي في غرفة الضيوف تلفازًا به قنوات تنقل أحداث كأس العالم.»

«لم أكن أعلم أن لدي كل هؤلاء الأصدقاء.. حتى بدأت البطولة.»

«الجيران الذين لا يظهرون إلا نادرًا أو في بعض الظروف، ظهروا هذه المرة بابتسامة وسؤال مباشر عن مباريات كأس العالم.»

في هذه الجمل شيء يتجاوز الضحك: اعتراف بأن القرب يمكن تشغيله وإيقافه بحسب حدث خارجي.

يكفي مقعدان متجاوران، وشاشة مضاءة، وصوت المعلّق وهو يرفع احتمال الهدف إلى حدّ التوتر. فجأة، يصبح الغريب أقل غربة، لا لأنه تغيّر، بل لأن شيئًا ثالثًا يشغلكما معًا.

في إحدى الغرف، يتأخر الهدف في الإعادة البطيئة. دقيقة كاملة تتجمد فيها الحياة دون إعلان. لا أحد يتكلم، ليس احترامًا فقط، بل لأن الكلام يبدو تدخّلًا زائدًا في لحظة لا تخص أحدًا وحده.

رجل يلتفت إلى جاره الذي لا يعرف اسمه جيدًا. نظرة قصيرة تكفي لاتفاق غير مكتوب: نحن في اللحظة نفسها. ثم يحدث الهدف.

ينهض الجميع في لحظة واحدة، لكن بدوافع مختلفة. صوت واحد يتعدد، ويد تمتد تلقائيًا لتصافح يدًا لم تكن موجودة في أي تعريف اجتماعي قبل ثوان.

كرة القدم لا تصنع القرب فقط، بل تختبر حدوده. تمنحك شعورًا بالانتماء، ثم تتركه يتبدد بعد صافرة النهاية دون تفسير.

في لحظة الهدف، لا يحتاج المشجع إلى علم نفس أو هرمونات. يكفي أن يرى غرباء يصرخون بالصوت نفسه، ثم يعود كل واحد إلى اختلافه الكامل، كأن شيئًا لم يقع.

وهنا يبدأ القلق الهادئ: أن القرب يمكن أن يكون ظرفًا لا علاقة، كأن اللعبة تقول، دون أن تقول: يمكنني أن أجعلك تؤمن بالانسجام، ثم أسترده منك في اللحظة التالية.

وفي زاوية غير مرئية من التجربة، يبقى سؤال يتسلل: هل نحب كرة القدم لأنها تجمعنا؟ أم لأنها تمنحنا تجربة آمنة للوحدة داخل جماعة؟

ومع انطلاق كل بطولة جديدة، يعود العالم إلى عادته الأكثر غرابة: أن يصنع قربًا سريعًا، ثم يتركه يذوب ببطء بعد صافرة النهاية، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن كل شيء حدث في الوقت نفسه.