آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 10:07 م

تكوين الثراء

المهندس أمير الصالح *

الثراء المالي أمرٌ يسعى إلى تحقيقه كل شخص عاقل وطموح ومتزن، لأنه يحرز له ولذريته الكرامة المالية، إلا أننا نرى نماذج عديدة ومقولات كثيرة في ذات الموضوع، فبعضهم يضع معيار ميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) كأساسٍ لاكتساب الثروة، وبعضهم يتبنى الآية القرآنية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]، والآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة: 11].

وسأطرح هنا جانب صناعة النمو المالي من مناظير مختلفة تعبر عن وجهة نظر بعض أبناء المجتمع، ومنها:

منطق 1:

يرفع البعض من أبناء المجتمع شعار (القناعة كنز لا يفنى)، وقد يكون ثريًّا بالفعل أو فقيرًا بالفعل أو عايشًا كل يوم بيومه أو لديه تدفق قوتٍ لا يموت أو قنوعًا بما لديه أو مدفوعًا له بالرعاية الاجتماعية الأهلية والحكومية. إن كان جسده وعقله صحيحين، ومعتمدًا على إعالة المجتمع، فإنه عبء، ويجب نصحه وتحفيزه للانخراط في سوق العمل.

منطق 2:

يردد البعض مقولة: (الثروة الحقيقية هي الصحة والعافية والستر وحب الناس ورضا الله). شعار جميل، ولكن لا يسوغ الركون عن العمل دون وجود أي تحفيز داخلي أو تحفيز للآخرين بالسعي نحو الاكتساب المالي الرصين. وهذا النوع محلك سِرّ، أي إنه ثابت في مسيرته، تتخطاه الأمم، وتتآكل مدخراته، وقد يؤول هو أو أحد أفراد ذريته إلى ما هو دون الحد الأدنى للكرامة المالية.

منطق 3:

قال البعض: منطقة الراحة والراتب الرائع والإفراط في تقدير جميع النعم التي بين أيدينا وتقدير المحيطين بنا، وأن القيمة في العمل الشاق والعلاقة الأسرية الناجحة، هي الثروة، وقد تلعب دورًا في صنع مستقبل أفضل للأولاد، وليس للأب الذي ضحى ويضحي بجهوده ومدخراته لهم. ويسترسلون بالقول: إن المال الكثير والزائد عن الاحتياجات أحيانًا يكون وبالًا على صاحبه، وعلى سعادته وصحته، وعلى ذريته.

منطق 4:

وقال البعض من أبناء المجتمع: العمل الشاق هو المحرك، ولكن الرافعة المالية هي عجلة القيادة بذكاء وفطنة لتكوين الثروة. والسبب في وصم البعض بأنه مدمن عمل (workaholic)، وقد يتوقف الجهد الدؤوب في كثير من الأحيان عند البعض، هو أنه يعمل على وحدات زمنية ثابتة لتداول نسبة خطية 1:1 لوحدات الإنتاج من المال المكتسب، أي إنها علاقة رياضية خطية شبه مسطحة (horizontal). بينما الأمور، وعلى ضوء التضخم لأسعار السلع وصعود متطلبات وتكاليف الحياة، تتطلب النمو الحقيقي ضمن نطاقٍ غير خطي وتصاعدي مُحرِز، كتحويل الجهد إلى أصول أو رمز أو تفويض أو أنظمة تعمل بشكل مستقل عن وجودك المادي، أي (remote) أو (hybrid)، أو تطوير تطبيق ذكاء اصطناعي، أو تطوير إجراءات تشغيل (حوسبة / إدارة مالية / إدارة تشغيلية) أوتوماتيكية عن بعد.

وبدون آلية ناجحة لمضاعفة ناتجك حتى وقت نومك أو سفرك أو غيابك، فأنت ببساطة صامولة في محرك مضبوط بدقة، يعمل بشكل محايد من دون نمو ملموس أو سعي لصناعة ثروة معتد بها تسهل أمورك وأمور الأبناء، وتنقل مستوى المعيشة لك ولأجيالك إلى الأفضل.

نعلم أن العنصر المفقود في معظم إجراءات العمل الجاد قد لا يرحم، ولا يعتني بالشخص الكادح، بل إن بعض الثقافات الرأسمالية وشبه الرأسمالية تعد العامل والموظف الكادح الزهيد التكاليف مكسبًا لها في زيادة أرباحها التشغيلية. لقد تعلم البعض أن ينذر وقته للعمل، وألا يرفض أي مهام تناط به حتى لو تكدست المهام عليه، والتضحية بعلاقاته الأسرية وصحته من أجل وظيفته. ولكن الحكمة تكمن في تقليم تغول الوظيفة على حساب الاتزان في شؤون الحياة، والسعي لإحراز تعليم ذاتي تطويري لاقتناص فرص كسب جديدة، أو السعي الحثيث لأن يكون الشخص رئيس نفسه عبر تكوين شركة خاصة به، أو إحراز ثروة بعد فترة من العمل والاشتغال بإدارة استثمار يوفر دخلًا سلبيًّا (Passive Income)، مع الحفاظ على علاقات متزنة بأفراد أسرته ومحيطه الاجتماعي وصحة بدنه وعقله وإيمانه.

والاستراتيجية الحقيقية ليست مجرد معرفة الأبواب التي يجب المرور بها (أسهم / عقار / ذهب / صناديق استثمارية / سندات … إلخ)، بل هي اختيار الأبواب العاجلة أو المريحة أو المألوفة التي يجب إغلاقها بوعي حتى يكون لديك النطاق الترددي النفسي والفكري والزمني لاكتشاف الفرص النادرة عالية المردود وواسعة النفوذ واغتنامها بأسرع وقت، مع كامل العناية بالقيم والأخلاق والقوانين لإحراز المكاسب المعتد بها لبناء ثروة مالية. حتمًا هذا يأخذ وقتًا وجهدًا ومتابعة طويلة وجلسات سوق.

منطق 5:

يوصم البعض في بعض الثقافات الشرقية، لا سيما الشرق أوسطية، الإنسان المخلص المتفاني والنزيه في أداء عمله بأنه (حمار شغل)، وهو وصم مُعيب جدًّا. ويردف أصحاب ذاك الوصف القول بمقولة: (لم نرَ حمار كريف أصبح ثريًّا. الثراء يحتاج إلى ذكاء وفهلوة!).

فيرد عليه البعض الآخر من الموظفين بالقول: (منطقك أعوج، فأنا لم أرَ موظفًا مخلصًا يقلق بشأن المستقبل، ولا ينخرط في خيانة الأمانة أو يسلب حقوق شخص آخر أو يتسلق ظهور الكادحين أو يتملق للرؤساء المداهنين. إن الموظف الكادح ببساطة يؤدي عمله بتفانٍ وإخلاص، دون أي عرض بهلواني أو تظاهر تملقي. بل إني شاهدت أكثر من شخص ثري يقلقون على ثرواتهم ويحرسونها ليل نهار، ويعيشون عيشة الفقراء مع أنهم سيحاسبون محاسبة الأغنياء، وينسلب النوم من أعينهم خشية تبخر استثماراتهم الكبيرة، ولا يستشعرون الراحة في منامهم أو سفرهم أو جلساتهم، فمكالمات الهاتف لهم لا تنقطع. وإن كان مصدرها من حرام، تراه يرتجف من أي بيان يصدر من لجان النزاهة والمحاربة للتزوير والغش والنهب والرشوة).

نعم، هناك أثرياء أجاويد عرفوا طرق استحصال المال بالحلال والجهد والذكاء عبر عدة وسائل شريفة تستحق التعرف عليها، واستعانوا بالمال لصيانة النفس ومساعدة الآخرين وتزكية أموالهم. فلهم منا كبير التحية.

قراءة أخرى

في كثير من الأحيان، يصبح البشر محاصرين في التوتر والغيرة وعدم الرضا عن حالهم من خلال مقارنة أنفسهم باستمرار بالآخرين، لا سيما مع انتشار مقاطع أحوال الأثرياء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في حين يستمر الإنسان الشريف النزيه في أداء عمله بإخلاص وتفانٍ مع احتفاظه بتلبية نداء طموحه نحو إحراز ثروة مالية معتد بها.

نركز هنا بأنه لا يحق أن ينعت البعض الموظف المخلص بأنه (حمار شغل) عند أداء واجبه دون شكاوى، بل يجب إطراؤه وتحفيزه وإرشاده إلى بديل أو بدائل عمل ذات مردود أعلى ماديًّا وأفضل أجواءً. وعليه، نناشد كل القروبات العائلية والديوانيات الافتراضية طرحَ ومناقشةَ وتثقيفَ وعرضَ الفرص الاقتصادية النامية بدل التهكم أو التحقير أو مناكفة الناس.

في بعض المجتمعات يُبنى الاحترام على رصيدك المالي، وبعضها لا يأتي الاحترام فيها من كون الوظيفة تُعد صغيرة أو كبيرة، إنه يأتي من الإخلاص والالتزام والنزاهة التي يُؤدَّى بها العمل. ويُبنى المجتمع المستقر بوجود التاجر النظيف والموظف النزيه والعامل المُخلِص، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة: 11].