آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 8:05 م

الأرواح المرهقة

فاطمة العجمي

خلف كل ابتسامة روحٌ تتجرّع ألمًا، قد خاضت من معارك الحياة ما سلبها شيئًا من حيويتها ونشاطها، كما يفقد الجسد قدرته وطاقته عند إصابته بالمرض.

فكما تبحث لجسدك عن دواءٍ لتتجاوز وعكة المرض بسلام، كذلك ابحث عمّا يريح روحك مما مرت به من تبعات الظروف الصعبة. لا تهمل علاج روحك، ولا تنتظر للغد بحجة أن لا وقت لديك، فتأجيلك للأمر قد يفاقم الأمر سوءًا.

روحك هي بمثابة شعلة النور لجسدك، فإذا انطفأت فستشعر بالضعف والحزن والكآبة، وقد تفقد حتى الرغبة في الحياة. وكثيرًا ما نلتفت إلى حاجات أبداننا المادية ونغفل عن احتياجات الروح، وهي احتياجات طويلة المدى تمتد إلى أبعد من الحياة الدنيا، وتصل إلى ما بعد انتقال الإنسان إلى العوالم الأخرى.

روحك المرهقة، إن لم تغذِّها بالمقومات الروحية في مسيرك في هذه الحياة، فلن تسعفك في تلك العوالم. فإن كان احتياجك المادي ماءً وطعامًا وهواءً، وبدونها تفقد حياتك، فالروح احتياجها إيمان صادق، وارتباط عميق بالله، وقلوب صافية؛ فبدونها لن تستقيم الروح، ولن تنعم بالسكينة والطمأنينة، ولن تستطيع أن تقف في وجه ضغوط الحياة بكل صبر وجلد.

فبفقدان الجسد لمقومات بقائه يذبل ويضعف، وقد تتعطل بعض وظائفه الحيوية، من قلبٍ ينبض، ودماغٍ يفكر ويحلل، وكبدٍ يقوم بوظيفته. لذلك تجد نفسك تلقائيًا تشرب إذا عطشت، وتأكل إذا جعت، وتسارع إلى العلاج إذا ألمّ بك المرض.

لكن الإنسان لا يحتاج إلى الدعم الجسدي وحده، بل هو بحاجة إلى غذاءٍ باطنيٍّ يسنده، وقوةٍ تمنحه القدرة على أن يشرب الماء، ويأكل الطعام، ويتقبل ما يمر به من أحداث صعبة وهو ممتلئ بالرضا والسكينة والسلام.

نحن دائمًا نبحث عن أفضل ما نأكل، وأجمل ما نرتدي، وأحدث ما نقتنيه من الكماليات، ولكن هل سألنا أنفسنا يومًا: ما الذي تفضّله تلك الروح التي تحرّك هذا الجسد؟ وما الغذاء الذي يحييها ويمنحها الطمأنينة؟

إن سألتَ نفسك هذا السؤال الآن، وكانت إجابتك مادية بحتة، فربما لم تتعرف إلى روحك بعد كما ينبغي. أما إن كانت إجابتك سجدةً طويلة بين يدي الله، أو دعاءً لامس أعماق قلبك، أو رحلةً إيمانية استشعرت فيها لذة القرب الإلهي، فاعلم أنك قد بدأت تكتشف حقيقة روحك، وأنك أدركت أن لها غذاءً لا يقل أهمية عن غذاء الجسد، بل هو سرّ حياتها وشفائها وطمأنينتها.

إن عرفت طريق الله، واستأنست بالقرب منه، وأيقنت أنه معك في كل أمورك، يدبّرها بحكمته ويختار لك ما هو خير، ويحنو عليك ويُغدق عليك من نعمه، فلن يحزنك فقدان شيء من هذه الحياة، ولن يؤلمك عدم حصولك على ما تحب؛ لأنك تعلم أن الله لا يمنع عنك إلا ليعطيك ما هو خير، ولا يختار لك إلا ما فيه صلاحك ورحمة بك، وسيعوّضك في الوقت الذي يريده بما هو أجمل وأنفع لك.