آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 10:04 م

عدالة السماء.. للذكر مثل حظ الأنثيين

الدكتور ماهر آل سيف *

كثيرًا ما تُثار شبهة حول قول الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ، فيقال: كيف يكون هذا عدلًا؟ ولماذا لا تأخذ المرأة مثل الرجل؟ والسؤال في ظاهره رحمة بالمرأة، لكنه في حقيقته يحتاج إلى هدوء في الفهم قبل حرارة الحكم؛ لأن الخطأ لا يكون في النص، بل كثيرًا ما يكون في عزل النص عن نظامه الكامل.

فالقرآن لم يجعل قاعدة عامة تقول: كل رجل يأخذ ضعف كل امرأة. هذا غير صحيح. بل هناك حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل، وحالات ترث فيها أكثر من الرجل، وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل المقابل لها شيئًا. أما عبارة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فهي في حالات معينة، أبرزها اجتماع الابن والبنت في ميراث الأب أو الأم.

وهنا يأتي السؤال العاقل: لماذا يأخذ الابن أكثر من البنت في هذه الحالة؟

الجواب: لأن الإسلام لم يربط الميراث بالجنس وحده، بل ربطه بثلاثة معايير كبرى: درجة القرابة، وموقع الوارث من الأسرة، وحجم الالتزام المالي بعد الميراث. فالابن في النظام الإسلامي لا يأخذ زيادة مجانية، بل يأخذ معها فاتورة واجبة. هو مطالب بالمهر إذا تزوج، ومطالب بالنفقة على زوجته وأولاده، وقد يطالب بالنفقة على أمه وأبيه وأخواته عند الحاجة. أما البنت فمالها ملك خالص لها، لا تُجبر شرعًا أن تنفق منه على زوج، ولا على بيت، ولا على أولاد ما دام لهم من تجب عليه نفقتهم.

إذن المسألة ليست: لماذا أعطى الإسلام الرجل أكثر؟ بل السؤال الأدق: من الذي سيُطلب منه الإنفاق بعد القسمة؟

فالذكر يأخذ أكثر في بعض الصور لأنه سيدفع أكثر، والأنثى تأخذ أقل في بعض الصور لكنها تحتفظ بما أخذت، ولها فوق ذلك مهر ونفقة وسكنى ورعاية. فأي ميزان أعدل: ميزان ينظر إلى الرقم وحده، أم ميزان ينظر إلى الرقم ومعه المسؤولية؟

لو أن أبًا ترك ابنًا وبنتًا، فأخذ الابن سهمين وأخذت البنت سهمًا، فالناظر السريع يقول: هذا تفضيل. أما الناظر المنصف فيسأل: من الملزم غدًا بنفقة الأسرة؟ من يدفع المهر؟ من يتحمل السكن؟ من تجب عليه النفقة؟ هنا يظهر أن الزيادة ليست تشريفًا ذكوريًا، بل تكليف مالي. والفرق كبير بين امتياز يأخذه الإنسان ليستمتع به وحده، وبين مال يأخذه وهو مربوط بواجبات تلاحقه.

ثم إن الإسلام حين أعطى المرأة حق الميراث أصلًا، جاء في بيئة كانت كثير من المجتمعات تحرم المرأة من الإرث أو تجعلها هي نفسها جزءًا من المتاع الموروث. فجاء القرآن لا ليهضم حقها، بل ليثبته بوحي يتلى، لا بعاطفة تتغير، ولا بعرف يتبدل، ولا بمزاج رجل يعطي إذا رضي ويمنع إذا غضب.

ومن الظلم أن نأخذ آية واحدة ونحاكم بها نظامًا كاملًا. فالإسلام لم يقل للمرأة: خذي نصف الرجل دائمًا. ولم يقل للرجل: خذ ضعفها لأنك أفضل منها. بل قال للناس جميعًا: الحقوق مرتبطة بالواجبات. ولهذا كانت المرأة في أصل الكرامة شقيقة الرجل، وفي أصل التكليف مخاطبة مثله، وفي أصل الثواب تجازى مثلما يجازى، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً .

إن منطق العدالة ليس أن نعطي الجميع رقمًا واحدًا مع اختلاف المسؤوليات، بل أن نعطي كل إنسان حقه بحسب موقعه وما عليه وما له. فالطبيب والممرض والموظف قد يعملون في مؤسسة واحدة، لكن اختلاف الراتب لا يعني اختلاف الكرامة، بل اختلاف الدور والمسؤولية والالتزام. وكذلك الميراث: ليس إعلانًا عن قيمة الرجل والمرأة، بل توزيع مالي داخل منظومة أسرية متكاملة.

نعم، قد يسيء بعض الناس تطبيق الشريعة؛ فيحرمون المرأة من حقها، أو يضغطون عليها لتتنازل، أو يجعلون العادات فوق الآيات. وهؤلاء لا يدافعون عن القرآن، بل يخالفونه. فالقرآن الذي أعطى الذكر مثل حظ الأنثيين في موضع، هو نفسه الذي أعطى المرأة نصيبها فريضة من الله، وحذر من أكل أموال الناس بالباطل، وجعل حقوق الورثة حدودًا لا يجوز العبث بها.

لذلك فالإنصاف أن نقول: ليست المشكلة في حكم الله، بل في قراءة مبتورة، أو عادة جائرة، أو تطبيق ظالم. أما حكم القرآن، فإذا قُرئ كاملًا، ظهر أنه لم يهضم المرأة، بل حماها من فوضى الأقوياء، وأعطاها حقًا معلومًا، ومالًا مصونًا، وكرامة لا تُقاس بنصف ولا بضعف، بل بتقوى الإنسان وعدله ومسؤوليته.

فالآية ليست خصمًا للمرأة، بل جزء من ميزان واسع:

يعطيها حقها، ويحفظ مالها، ويلزم الرجل بالنفقة عليها، ثم يقول للجميع: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا .

ومن كان عليمًا لا يجهل حاجة المرأة، ومن كان حكيمًا لا يظلمها.